
في الوقت الذي تُصرّ فيه الحكومة على الترويج لخطاب التفاؤل ونجاعة برامجها الاجتماعية والاقتصادية، خرج والي بنك المغرب بمعطيات صادمة تنسف الصورة الوردية التي يسوّقها رئيس الحكومة. هذه ليست تقارير صحافة معارضة، ولا تقديرات مراكز التفكير، بل أرقام رسمية صادرة عن أعلى سلطة نقدية في البلاد، ما يجعل الصدمة أكبر والتناقض أعمق.
كيف يمكن لحكومة تتحدث عن “تحسن المؤشرات” أن تفسر كون 47% من الشباب خارج سوق الشغل؟ نحن لا نتحدث عن بطالة عادية، بل عن نصف جيل بلا دور اقتصادي، بلا دخل، وبلا أفق. هذه الفئة هي العمود الفقري لأي اقتصاد ناشئ، وحين تخرج من دائرة الإنتاج، فكل الشعارات حول “الإقلاع الاقتصادي” تصبح بلا معنى.
الأزمة لم تتوقف عند حدود المدن. القطاع الفلاحي، الذي لطالما قُدم كخزان للتشغيل ورافعة للتوازن الاجتماعي، فقد أكثر من 108 آلاف منصب شغل بشكل كامل. هذا الرقم وحده يكفي لإعلان حالة استنفار حكومي، لأنه يعني تدمير موارد رزق آلاف الأسر ودفع موجات جديدة إلى الهجرة الداخلية، والبطالة، والتهميش.
ثم تأتي الفاجعة الأكبر: مليون و600 ألف عاطل بين 20 و30 سنة، و2,5 مليون شاب بين 15 و25 سنة خارج التعليم والتكوين والشغل. هذا ليس “هدرًا عرضيًا”، بل صناعة رسمية لـ”جيل ضائع” قد يتحول إلى قنبلة اجتماعية مؤجلة.
لكن المؤشر الأخطر الذي كشفه والي بنك المغرب هو التوقعات الكارثية لسنة 2026: تضخم قد يتجاوز 90% بفعل ارتفاع البطالة، وتراجع الإنتاجية، وانكماش الطلب والعرض. نحن هنا لا نتحدث عن “تقلب ظرفي”، بل عن سيناريو انهيار اقتصادي شبيه بدول أمريكا اللاتينية في أزمات الثمانينات.
كل هذا يضع الحكومة في مأزق حقيقي. فإما أن تُراجع خطابها وسياساتها رأسا على عقب، أو تستمر في لعبة الإنكار إلى أن تنفجر التناقضات على الأرض، لا على الورق.
وهنا يُطرح السؤال الذي لا يمكن القفز عليه:كيف سيفنّد عزيز أخنوش أرقام والي بنك المغرب؟ هل سيطعن في مصداقية المؤسسة التي تستقي منها حكومته مؤشرات المالية العامة؟ أم سيحاول تسويق رواية موازية بالأماني بدل الوقائع؟
فجر بريس