وُجدت وسائل التواصل الاجتماعي لتكون منبرًا حرًّا للرأي والحوار ومحاسبة المسؤولين بوعيٍ ومسؤولية، لكنّها اليوم أصبحت – في كثير من الأحيان – ساحةً للفوضى وسوء التعبير أكثر منها فضاءً حرًّا لحرية التعبير.
إنّ ما يتعرّض له بعض المسؤولين، كعامل إقليم الرحامنة مثلاً، من سبّ وتجريح وإهانة أحيانًا بلا دليل أو حجة دامغة، هو نموذج صارخ على تحوّل هذه المنصّات من آليةٍ للمساءلة الجادة إلى أداةٍ للتنفيس عن الغضب والإحباطات الفردية. فكثيرون ممّن يخوضون حملات الإساءة والتشكيك لا يملكون إلا إشاعات أو تأويلات أو استيهامات مبنية على انفعالات ومضاعفات نفسية، دون التحقق من الوقائع أو تقديم حججٍ موضوعية.
إنّ النقد حقٌّ مشروع، والمساءلة ضرورةٌ ديمقراطية، لكن شريطة أن تُمارس بأدوات أخلاقية وقانونية وواقعية. حين يتحوّل النقد إلى سبّ وقذف وتشويه سمعة بلا بيّنة، فإننا نهدم الثقة في المؤسسات ونقوّض أسس الحوار البنّاء.
لذلك، تبرز هنا مسؤولية مشتركة: من مستخدمٍ يتحلّى بالأخلاق والمسؤولية قبل أن يكتب أو يعلّق، إلى منصّاتٍ رقمية تُحصّن الفضاء العام من الحسابات المأجورة والخطابات المنفلتة، إلى قوانين تُطبّق بصرامة لحماية سمعة الناس وكرامة المؤسسات.
عامل إقليم الرحامنة نموذجٌ يجب أن يُذكّرنا بأن الكلمة قد تكون جسرًا أو خنجرًا، وأن حرية التعبير لا تعني فوضى الإساءة. فلنجعلها جسرًا للحوار والمحاسبة الحقيقية لا سلاحًا للفوضى وسوء النيّة.
ويبقى السؤال: كيف نصون فضاءً خُلق للحرية من أن يتحوّل إلى مستنقعٍ لسوء التعبير؟
فجر بريس