أفرز التاريخ المغربي طينة من المناضلين و أمناء أحزاب من العيار الثقيل، و قفوا أحجارا صلداء أمام نظام الحسن الثاني و قارعوه في سياساته الكبرى و كانوا نبراسا لممارسة سياسية نزيهة متفتقة من شلالات القناعة الذاتية بأفكارهم و رؤيتهم و تصوراتهم للتسيير و التدبير المؤدي لمعانقة مغرب الديمقراطية و حقوق الإنسان و تحرير الإبداعات الخلاقة للمواطن و احترام حق الاختلاف و تحسين وضعية المرأة…كلها مواقف دافع عنها هؤلاء على اختلاف مللهم و نحلهم السياسية بكل ما أوتوا من قوة و عزة نفس، رغم وطأة نظام الحسن الثاني، الذي لا يعصى له أمر و لا تعلو كلمة عن كلمته و في محطات كثيرة كانت مواقفهم محرجة للحسن الثاني و مبعث غضبه زاوجت بين الرفض و المقارعة العلمية، و في المقابل و في سنوات الانتقال الديمقراطي، يلاحظ المتتبع للشأن السياسي أن المغرب دأب على إنتاج سلالة جديدة من الأمناء العامون للأحزاب، كانوا مبعث سخط قواعدها و شكلت في أحايين أخرى عللا في الانشقاقات و الانسحابات، و خلال تسييرها للتدبير الحكومي انكشفت هالتها أمام القواعد و صارت تعاني من انفصام سياسي بين الرغبة في الكرسي و الحفاظ على مبادئ الأمس و ما ابن كيران ببعيد.
في هذا التقرير الذي سننشره في حلقات، آثرنا أن نعود بالذاكرة إلى الوراء و الوقوف مع أطلال سنوات كفاح رجال آمنوا بمغرب أفضل و انخرطوا في جبهة الدفاع عن تحقيق متمنياتهم المرتبطة بمتمنيات الشعب المغربي دون أن يتنازلوا قيد أنملة عن مبادئهم الذي تشربوا بها من مختلف المنابع و المشارب السياسية و التي شكلت النواة الأساسية للحركة الوطنية. سنبدأ حلقاتنا مع وجه سياسي معروف واجه الحسن الثاني و إدريس البصري بجرأة كبيرة، رغم يقينه بأنه سيكون طريدة للانتقام و الدسائس، شخصية بارزة من فرسان الحركة الوطنية منعه تعاقده الأخلاقي مع مناضليه و الرأي العام من أن يقبل الانخراط في تسيير حكومة بأغلبية مستعارة، مفجرا أمام عرض الملك الراحل قنابل الرفض بسبب عدم احترام الأخير للاتفاق الذي كان بينه و بين الكتلة الديمقراطية، و الذي سنتتطرق إلى الكشف عن حيثياته في هذا التقرير، إنها مواقف شامخة لا تعد و تحصى فتحت لصاحبها ولوج التاريخ ن بابه الواسع، إنه محمد بوستة الأمين العام السابق لحزب الاستقلال.
محمد بوستة أمين عام لحزب الاستقلال لمدة 20 سنة.
عندما خاطب الراحل الحسن الثاني أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال: «رحم الله السي علال، والله يجعل البركة في السي بوستة» كان واضحا أن قيادة حزب الاستقلال لن تكون خارجة عن القيادة الشرعية، وأن بوستة سيكون قائدا لحزب الاستقلال دون منافس و منازع بعد وفاة مؤسس الحزب ، لكن تزكية الحسن الثاني له رآها العديد من السياسيين إشارة لتدخل الدولة في الشؤون الداخلية للحزب و منطق تحكم، لكن سيأتي رد القواعد الاستقلالية حاسما في إسناد المشعل إلى محمد بوستة الذي استمر على رأس الحزب لمدة 20 سنة الذي أبلى البلاء الحسن ضد خصوم الديمقراطية. سيظهر اسمه للمرة الأولى ضمن التشكيلة الحكومية لأحمد بلفريج سنة 1958 كوكيل في الشؤون الخارجية ثم وزيرا للوظيفة العمومية و الإصلاح الإداري سنة 1961، ثم و زيرا للخارجية في حكومة أحمد عصمان، إلى حدود سنة 1963 الذي قدم فيها استقالته من الحكومة إلى جانب علال الفاسي و محمد الدويري. لم يكن محمد بوستة من الأمناء العامون الذين تثنيهم العقبات عن تحقيق مقاصدهم، فهو كان يعرف كيف يدافع عن قناعته و يختار السبل المناسبة للدفاع عنها. و تجلى ذلك، حين خاض حزب الاستقلال انتخابات 1977 تحت شعار: «من نحن وماذا نريد؟»، كان يهدف بالأساس إلى دحض و إلغاء فكرة «الحزب المظلوم»، الذي حاول بعض شركائه التبشير بها لقناعته بأن لحزب الاستقلال مكانته الطبيعية، لكنه يتطلب رجالا يعرفون به و يبرون به.
محمد بوستة محامي كرس حياته للدفاع عن المحرومين و حرية الرأي.
حافظ نقيب المحامين محمد بوستة على مكتبه بشارع علال بن عبد الله، الذي تخرج منه محامون مشهورون و في مقدمتهم الوزير الأول السابق عباس الفاسي، و ارتبط اسمه بالدفاع عن حرية التعبير في المحاكمات السياسية و محاكمات الرأي التي طالت صحيفتي “العلم” و “الرأي” عند اعتقال مديريهما عبد الكريم غلاب و محمد برادة، و كان مكتبه قبلة للمظلومين و ضحايا الانتهاكات و لم يتوانى يوما في التطوع للدفاع عن معتقلي الحرية النقابية و عن الفلاحين الذين انتهكت و صودرت أراضيهم بطرق غير مشروعة. و كان بوستة بارعا محنكا في مرافعاته الذي يمزج فيها بين البعدين القانوني و السياسي، و خبيرا في تحويل الثغرات القانونية إلى أخطاء سياسية، دون تعصب أو تشنج في الموقف.
ابن المدينة الحمراء: الذي واجه وزراء أم الوزارات بكل ما أوتي من قوة.
واجه محمد بوستة كل التيارات التي تزرع الشوك في طريق الديمقراطية، فبعد حالة الاستثناء سنة 1965 كان رافضا المشاركة في أي حكومة كان أوفقير من بين أعضاءها لطغيان الهاجس الأمني على الهاجس السياسي، و استمرت معركته مع الوزير القوي آنذاك إدريس البصري، و التي تجلت ملامحها في البرلمان حينما قال محمد بوستة ” ما قدو فيل زادوه فيلة” في إشارة إلى وزير الداخلية ادريس البصري الذي تعاظمت اختصاصاته برفع منصب وزير الداخلية إلى مؤسسة دستورية ليصبح من المقدسات عقب بلاغ للديوان الملكي في 11 يناير 1995، الشيء الذي رأى فيه بوستة قذف في حق المغاربة و حق الملك و أمرا مشينا، لذلك طالب الملك الحسن الثاني بحذف العبارة من البلاغ عبر رضا اكديرة الذي أطلعه على البلاغ الملكي قبل إيذاعه، لكن الملك تمسك بهذه العبارة و أبقاها في البلاغ، مع ثبات بوستة على موقفه.
حرب طاحنة مع إدريس البصري و إخلال الحسن الثاني بالاتفاق.
عندما أحس الحسن الثاني بدنو أجل السكتة القلبية و في محاولة منه لترسيخ تجربة التناوب، استدعى بوستة و عرض عليه تشكيل الحكومة، لكنه جابه عرض الملك بالرفض لإخلال هذا الأخير بالاتفاق الذي كان مبرما بينهم، و تدخل إدريس البصري بشكل مشين في إفساد الحياة السياسية و ضلوعه في تزوير الانتخابات. و لمعرفة أدق تفاصيل الاتفاق و دواعي رفض بوستة لعرض الملك نترك القارئ يستشف الحقيقة من فيه محمد بوستة عبر الحوار الذي سنقدمه في حوارات الفجر و الذي أجراه معه الزميل عبد العزيز ككوكاس رئيس تحرير جريدة المشعل.
فجر بريس