كلما هبت عاصفة هوجاء، إلا و تركت نذوبا غائرة في نفوس المغاربة قاطبة، نذوب تتكرر مع كل إطلالة لعاصفة عابرة حتى صارت شقوقا أكثر عمقا. فقد عرت العواصف الرعدية التي ضربت عددا من المناطق عن حقائق لا يمكن تغطيتها بالغربال و لا يمكن إنكارها رغم كل الفقاعات الإعلامية اللامعة و الروتوشات التجميلية، مما يحيل على أن هناك شيء ليس على ما يرام.
فمند استقلال المغرب، تعاقبت حكومات بألوان الطيف السياسي و الإيديولوجيات المختلفة على تسيير شؤون المغاربة، دون أن تجد وصفة ناجعة تضع حدا لمآسي الملايين من قاطني العالم القروي، و تفك العزلة عن هذا العالم الضارب في قعر التهميش.
فبعملية حسابية بسيطة للميزانيات التي خصصت لبرامج ما يسمى فك العزلة عن العالم القروي، يستنتج الأبله قبل اللبيب، أن مليارات الدراهم أو بالأحرى الدولارات التهمتها الغيلان و تبخرت في الهواء، و لم تعرف طريقها إلى مستقرها ليحس بانتعاشتها المواطن المغربي.
و إقليم الرحامنة كباقي أقاليم المملكة الشريفة، الذي عاش زمانا طويلا من القهر و التهميش، لم تستطع قطرات الغيث، بعد الانعراجة السياسية لسنة 2007، أن تجرف واقع العالم القروي و تبلور حلولا واقعية، تخفف من وطأة القساوة التي يعيشها القرويون الذين يرتبط مصيرهم برحمة الطبيعة المرتبطة هي كذلك بالأحوال المناخية و التقلبات الجوية، التي تكون أكثر فتكا في سنوات الجفاف، و أكثر قساوة عند تهاطل الأمطار و هدير الرعود، التي تخلف دائما ضحايا و خسائر مادية بالعالم القروي.
و لعل ما وقع ليلة الجمعة، التي عاشته بعض المناطق بالرحامنة تحت الضوضاء الصاخبة المدوية للرعود و الصواعق المرسلة و الأمطار الطوفانية، التي حصدت أرواح شخصين و طفل، لأكبر دليل على أن ما وراء الأكمة ما وراءها.
و ما شد الأنفاس تلك الليلة الحزين ليلها، ما رواه شاهد عيان بقرب دوار كزولة بجماعة بوشان، الذي حكى بحرقة شديدة، أن القدر وقف بجانب ثلاثة أطفال حاصرتهم المياه لساعات في عز وذروة العاصفة، عجزت كل القوى عن إخراجهم إلى بر الأمان و انتشالهم من ذلك الكابوس المخيف، و مع توالي الدقائق و الساعات يقترب طائر الموت من التلاميذ رويدا رويدا. و رغم حضور الوقاية المدنية لم تتمكن من التدخل لإنقاذ هم و وقفت عاجزة أمام المشهد المرعب، و أمام إلحاح المواطنين على ضرورة التدخل لم يجد رجال الوقاية المدنية بد من الاعتراف بأن الوسائل اللوجيستيكية المسخرة لن تفيد بالغرض، و ما بقي أمام المواطنين سوى طلب النجدة من عامل الإقليم لكي يطلبها بدوره من القوات المسلحة الملكية. و بين ثنايا كل هذا السجال و التفاصيل كان الموت يحيط بالتلاميذ من كل جانب، ليأتي المدد من العزيز القدير و هدأت العاصفة و انخفض منسوب المياه، و خرج التلاميذ من عنق الزجاجة بعدما عاشوا ساعات في الجحيم.
صور سوريالية تتكرر في كل مرة، و فرقعات لايكاد يسمع صداها سوى مفجرها، و الحقيقة المرة التي تغضب البعض هي أن تكتونية التنمية بالعالم القروي تسير ببطئ، أبطئ من سير السلحفاة. و تبقى قائمة إلى أن يثبت العكس.
بقلم: ع ك قوقي
فجر بريس