
حضرت مؤخرا لندوة فكرية أطرها الدكتور حسن أوريد في الجامعة الدولية لاكا دير، حول دور النخب السياسية في الإصلاح السياسي، ولا أخفيكم إعجابي بالقدرة التحليلية الكبيرة للدكتور حسن أوريد في مقاربته لهذا الموضوع، من حيث تأصيله التاريخي لدور النخب ولمفهومها منذ افلاطون مرورا بعصر الأنوار في أوروبا إلى ظهور وتغلغل الفكر الماركسي في الفكر السياسي العالمي، انتهاء بالأطروحات الفكرية الجديدة المستمدة من نقد العقل السياسي لرجيس دوبريه أو إبداعات ميشيل فوكو أو العقل التواصلي لهابرماس .
التناول التحليلي المنهجي للدكتورحسن اوريد لموضوع النخب ودورها في التطورات السياسية دفعني دفعا للبحث عن كتابات الدكتور أوريد واستنطاقها وسبر بعض مكنوناتها، بقدر ما كانت إبداعات وكتابات، كانت كذلك دروس وإشارات سياسية وفكرية تفصح عن ما يفكر فيه بل وينظر له مبدعها، من قيم الحداثة على جميع اصعدها الفكرية والسياسية، و التمسك بالحوار الحضاري مع الشعوب التي سبقتنا في مضمار الحضارة الإنسانية لتجاوز التفاوت الحضاري بيننا وبين الشعوب المتقدمة، و مقاربة موضوع الهوية بعمق وبنفس تعددي ديموقراطي ، لتجنب مخاطر الهوس الهوياتي الذي يهدد الكيان الوطني، وضرورة قيام دولة قوية عادلة تتمايز عن البنيات الموازية للدولة التي تشكل عقبة كأداء أمام تحديث ودمقرطة الدولة و تشكل دولة داخل الدولة )وهنا افتح قوسا لأقول بأن هذا الاهتمام بدمقرطة الدولة من قبل الدكتور حسن أوريد شبيه إلى حد كبير بما نظر له و ناضل من أجله المفكر الايطالي الكبير انطونيو غرامشي في كتابه دفاتر السجن حين دعا إلى تجديد وتجاوز إطار ما يفهم عادة من الدولة : أي أداة قمع لتوطيد سلطة طبقية(، ومباشرة الإصلاحات السياسية والاقتصادية الكبرى مع اخذ الاعتبار، استعجالية إصلاح المنظومة التعليمية وهي المهمة التي سماها في احد مقالته بمجلة زمان المغربية أم المعارك، لتكون منظومة منسجمة مع روح العصر بلغة المفكر المصري الكبير سمير أمين . تلكم أهم الخلاصات الأساسية التي اعتبرها المفكر حسن اوريد في كتاباته ونشاطه الفكري، ضرورية للنهوض بمجتمعاتنا الرازحة اليوم في المراتب الدنيا في سلم الحكامة و التعليم والصحة، وانحسار انخراطنا في مجتمع المعرفة الذي يناضل من أجله المفكر حسن أوريد، بنفس نضالي منقطع النظير، ضد التحديات والصعوبات التي تنتظر مجتمعنا، ودولتنا وموقعنا الدولي الجيو استراتيجي، مع صعود الصراعات حول الهويات القاتلة بلغة أمين معلوف بتلاوينها المختلفة من إثنية ودينية وغيرها.
المفكر حسن أوريد طالما شخص وفكك بعدة جراحية علمية ومنهجية رصينة، في معظم محاضراته وعروضه، المختلفة المواضيع والاهتمامات، وذات الرسائل الموحدة، أعطاب مجتمعنا المغربي، والتي جسد بعضها في شعارات الحركات الاحتجاجية المغربية ومنها، حركة 20 فبراير، التي كان من الداعمين لها ولمطالبها الديموقراطية والمتفائلين بها خيرا، خصوصا وأن الطبقة الوسطى من طلبة وأساتذة ومحاميين ورجال الأعمال المتنورين… الخ ،هم من قاد حركة20 فبراير وصاغ برنامجها المطلبي ، وهي الطبقة ذاتها التي تسميها الأدبيات الماركسية، واللينينية كأحد تطبيقاتها العملية :بالبورجوازية الصغيرة، التي راهن عليها حسن أوريد، لتنقل الوعي الجماعي أو الجمعي المغربي، من وعي بالذات إلى وعي من أجل الذات، بلغة التوسير والتي استعملها فيما بعد نقلا عنه الدكتور الشهيد حسن حمدان المعروف حركيا بالمهدي عامل، لدراسة نمط الإنتاج الكولونيالي في كتابه التاريخي القيم، مقدمات نظرية لدراسة اثر الفكر الاشتراكي على حركات التحرر الوطني .يقول حسن اوريد في كتابه القيم مرآة الغرب المنكسرة : “وعي الطبقات الشعبية بذاتها لا يجعلها بالضرورة قادرة على الوعي من أجل ذاتها ، وهو الدور الذي تستطيع الطبقة الوسطى أن تضطلع به . ومن باب أولى في الدول الثالثية المرتبطة بالعولمة ,,.
الدكتور حسن اوريد ينتصر للعقل والعقلانية وللقيم الحداثية في الثقافات الإنسانية، وخاصة في الثقافة الغربية التي يحلم أن تصير قيمها التنويرية حقيقة في دولنا الغارقة ،في أوحال التخلف والظلامية والانكسار الحضاري بلغة الطيب التيزيني، لذلك نراه يقول بشكل واضح وبشكل صارخ في كتابه، تلك الأحداث ص 85 وفي سياق محاضرة ألقيت بقاعة باحنيني بالرباط سنة 1998 ،بأنه إنسان إفريقي مغربي أمازيغي متمسك بتراثه وثقافاته الغنية بنفس تطلعه إلى الثقافات والحضارات الإنسانية الأخرى أي ينطبق عليه شعار اليسار الجديد العالمي ، عش عالميا واعمل محليا comprendre globalement ,agir localement
:أنا كائن تاريخي .أحمل في لاشعوري التجارب التي اعتورت تراب أرضي .ينفلت لاشعوري ليعبر عما يضطرب في أحشائي من قلق وتمزق وسيكيزوفرنيا ، وهو نتاج لتصادم ارث تلبد وتطلع لأعيش عصري. أنا كائن تاريخي واعي…. تعاقبت على أرضي أمم وحضارات, تفاعلت معها، اسهمت في إشعاعها … … أنا وفي لأرضي وتراثها، منفتح لعطاء الحضارة الإنسانية ، متطلع أن أسهم فيها دون ذوبان.
وفي صفحة 88 من نفس الكتاب يقول :
لست استطيع التضحية بثقافتي ولست استطيع أن أدير ظهري لعطاء الغرب …وقد تملكتني هذه،الحيرة، هي سبب ما أعانيه من تمزق وسكيزوفرينيا ….لست اقدر أن اعرض عن إغراء الغرب ولست أود التضحية بروحي ….أريد الشباب والفتوة والغانية كاترينا دون أن أبيع روحي ، فهل استطيع ..؟
الدكتور حسن أوريد من المدافعين الرئيسين في بلادنا عن التعدد الثقافي واللغوي ببلادنا، وأحد المفكرين المغاربة القلائل الذين، لم يستهويهم الفكر القومي العربي وطبع تنظيراتهم الفكرية، التي سيتنازل بعضهم عنها فيما بعد مرغمين ،بعد تبيان فشل الأطروحات القومية وتهاويها أمام العولمة الثقافية وأمام المستجدات الدولية، في ميادين التنوع الثقافي وبعد سيطرة الاستبداد السياسي باسم القومية العربية ،في العراق وسوريا وغيرها من الأقطار، وهنا استحضر المفكر المغربي الراحل الدكتور محمد الجابري ومفكرين آخرين الذين استحوذ عليهم الفكر القومي العربي وتبخرت معه بعض تنظيراتهم التي بنيت بعيدا عن الاعتراف بالتعدد الثقافي المغربي ، ربما ما جعل الدكتور حسن أوريد يتمايز عن الرعيل الفكري القومي العربي المغربي هو تشبعه بالثقافة الغربية واطلاعه الواسع والمبكر على الثقافات الإنسانية، بلغاتها الأصلية عكس مثقفينا الذين استعانوا بالترجمة للتعرف على الكتابات الغربية، فاللغة لها تأثير كبير على الفكر ومنهجية التفكير لذا أجدني متفقا مع الدكتور السوري جورج طرابيشي في كتابه الموسوعي نقد نقد العقل العربي*إشكاليات العقل العربي* ص 93 حينما يقول
: منظومة لغوية ما تؤثر في طريقة رؤية أهلها للعالم وفي كيفية مفصلتهم له وبالتالي في طريقة تفكيرهم ,إننا نفكر كما نتكلم .
المفكر حسب اوريد من الداعين، إلى حركة امازيغية منفتحة، على العصر مستوعبة للحداثة، وساعية إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. هو ضد الطروحات الإقصائية وضد اختصار مطالب الحركة الامازيغية في المطالب اللغوية، رغم أهميتها، بل يعتبر الحركة الأمازيغية حركة مجتمعية، يمكن للمغرب الجديد أن يعول عليها لبناء المغرب الديموقراطي الحداثي المنشود ، يقول المثقف حسن اوريد في كتابه تلك الأحداث ص 95 وكان هذا سنة 1998 قبل وجود المعهد الملكي للثقافة الامازيغية وما تلاه من اعتراف مجتمعي وسياسي كبير بالامازيغية
: ولذلك فإن إعادة الاعتبار لثقافة ليس هو فقط إعادة الاعتبار للغتها وإنما بالأساس لقيمها وذهنية أصحابها… ولئن كانت عناصر من النخبة قد وجدت سبيلا لها في أسلاك الدولة وفي تنظيمات حزبية أريد لها أن تمثل العالم القروي ، فإن الثقافة لم تكن شغلها الشاغل ، ولم تنعكس نجاحاتها الفردية على عوالمها.
هذا النص لحسن أوريد كتب قبل الخطاب الملكي التاريخي في اجدير سنة 2001 والذي تبعه مراجعات سياسية وثقافية وفكرية كبرى في صفوف الأحزاب السياسية المغربية وتنظيمات المجتمع المدني، التي تفتقد في أدبياتها إلى المبادرة والإبداع الفكري وتنتظر دائما من يوجهها من الأعلى ، لذلك فمعظم الملتحقين بجوقة الدفاع عن الامازيغية منذ مصالحة عهد محمد السادس والامازيغية ، اقتنعوا بالامازيغية نفاقا وتزلفا وليس اقتناعا ، بل معظهم كان اشد معارضي الحقوق الامازيغية فيما مضى على الأقل .
يقول حسن اوريد كذلك في رواية صبوة الخريف مبينا موقفه من القضية الامازيغية بوضوح وجرأة .وهي بالمناسبة من أروع رواياته وأعمقها دلالة وأغناها رمزية ، وهذه المرة على لسان السجلماسي يقول ص 74
: لم يكن السجلماسي قد أعار كبير اهتمام للامازيغية , مخلفة من مخلفات مجتمعات تقليدية . إحدى حراب السياسة الاستعمارية .هذه الأفكار الجاهزة هي المنظومة لقراءة الامازيغية .وكان يأخذها على علاتها دون أن يتفكر فيها ….كان ذلك في الستينات والسبعينات , لكن شيئا ما اخذ يتغير . أو على الأصح يطفو على السطح . حينما يلح إحساس ما في مجتمع ما بعد فترة من الخمول فلأنه كان مغموطا، مكبوتا، كامنا ينتظر الظهور.
الامازيغية حسب السجلماسي في الرواية، بعدما تخلصت من زواجها الاغتصابي من شيخ هرم في منتهى الوهن الفكري والعضلي ، استهواها فتى ازرق العينين ذي قوة وإغراء ومال وسلطة. الامازيغية في قناعة أوريد هي عنوان بحث المغاربة عن الانعتاق من اسر الطروحات البائدة والمتشرنقة على الذات من قومية وماركسية جامدة وغيرها . الامازيغية سبيل بحث المغاربة للالتحاق بركب الحداثة والتصالح مع التاريخ الإنساني العالمي.
للمفكر حسن اوريد مواقف تاريخية مشهودة في قضايا سياسية تهم المغرب والعالم ، فكانت له الجرأة في انتقاد الأحزاب السياسية المغربية وتعاطيها مع قضايا حقوق الإنسان والديموقراطية، كما كان ضد تخلي السلطة عن المنهجية الديموقراطية سنة ،2002 بعد إعفاء الوزير الأول السابق عبد الرحمان اليوسفي ، وتمسك دائما بدولة قوية عادلة تسهر على حماية الحقوق والحريات وتستمد شرعيتها من الممارسة الديموقراطية والتسيير السليم لقضايا المواطنين، في ظل ملكية مستنيرة وحداثية مجسدة في الملك محمد السادس الذي يكن له الدكتور حسن اوريد في كتاباته ومقالاته ومحاضرته كامل التقدير والاحترام لإسهامه في نقل المغرب من مرحلة سنوات الرصاص إلى مرحلة الإنصاف والمصالحة ومرحلة انخراط المغرب في ترسيخ حقوق الإنسان .
للمفكر حسن اوريد مواقف وطنية في الدفاع عن قضية الصحراء المغربية وله إسهام كبير في التعريف وطنيا ودوليا بالمقترح المغربي ، الخاص بإعطاء حكم ذاتي موسع للأقاليم الجنوبية المغربية، وساهم عبر ندوات في جميع مناطق المغرب وكتابات بالتأصيل التاريخي والسياسي للحق في المغربي على أقاليمه الجنوبية والشمالية، ودعا إلى حوار مع بوليساريو الداخل وخط الشهيد بالخارج واعتماد مقاربة تنموية حقيقية تأخذ بعين الاعتبار التركيز على البعد البشري وتأهيله وإقناعه للعمل على خدمة الوطن المغربي بكل عزيمة ومسؤولية.
ختاميات حسن اوريد في مجلة زمان بالفرنسية والعربية تذكرنا بافتتاحيات مجلة البرافدا بعناوينها المثيرة ما العمل ؟ والحرب الأخرى ، أم المعارك … التي تقول الأشياء بمسمياتها وتتغيأ تثقيف الجماهير بدون تنميق ولا مداورة ،لذلك جلبت له بعض المتاعب وبعض الانتقادات، ولكن قدر المفكر دائما أن يعطي ضريبة سبق مجتمعه والسبح لوحده في غمار المستقبليات، لذلك فمعظم العظماء في التاريخ عانوا من أفكارهم من قبل الجمهور، قبل أن تكتشف الأجيال اللاحقة صدقيتها وعمقها، المثقف هو من ينشغل بمآلات ومصائر مجتمعه رغم جهل المجتمع وإنكار العلم والعلماء. وهنا مادمت قد سميت المفكر حسن أوريد بالمثقف العضوي مستوردا مفهوم المفكر الايطالي الكبير انطونيو غرامشي، لابد أن اذكر قصة وقعت لغرامشي ويمكن قياسها على حالة المفكر حسن اوريد الذي عانى بسبب مواقفه المنحازة للحداثة والديموقراطية من أطراف تريد أن تحتكر كل شئ ولم تعد تحتمل حتى الصوت المغاير، وهي –القصة التي أوردها الدكتور الطاهر لبيب في مجلة الملتقى عدد 1 سنة 1997 – : عندما حوكم غرامشي طالب موسيليني بأن يوقف هذا الدماغ عن الاشتغال مدة عشرين سنة ، وعندما طولب بالعفو أجاب : هذه طريقة تعني الانتحار ، وليست لي أية رغبة في الانتحار. الخط واضح : رفض المهادنة وإصرار على التعامل مع الواقع وراء القضبان .ولم تكن الفاشية الصاعدة تتوقع أن السجن المفضي إلى نزيف في الدماغ ودفن في مقبرة الانجليز سيخرج منه اثنان وثلاثون كراسا هي أعمق ما كتب غرامشي وأشده ارتباطا بالواقع وتأثيرا فيه.
الكتابة عن حسن اوريد ، لا يمكن أن يلم بها موضوع أو حتى كتاب، ومحاولتي هاته المتواضعة هي إسهام فقط، في فتح نقاش حول أفكاره المبثوثة في ثنايا كتاباته، وهي أفكار تستدعي النقاش والحوار والمداورة الفكرية، وتصلح لتكون أرضية ممارساتية لفعل سياسي حداثي وتقدمي ما أحوج مجتمعاتنا إليه .
واختم هذا المقال بنص للاستاذ سالم القمودي ص 113 في كتابه سيكولوجيا السلطة، هذا النص يلخص نضال حسن اوريد من أجل الدولة الديموقراطية الحداثية وهو الذي ناضل داخل الدولة وخارجها من أجل مغرب ديموقراطي تعددي وحداثي.
: بناء لدولة حقيقية ديموقراطية لا يكتمل ما لم تتحول السلطة القائمة فيه من سلطة للسلطة والقهر والغلبة إلى إدارة للسلطة في المجتمع ، تقود مؤسساته في نظام سياسي اقتصادي ثقافي يتمتع بالاستقرار السياسي والقانوني والإداري وتمتنع فيه الانقلابات والتحولات الفجائية، بفعل استقرار النظام السياسي، وبفعل الديموقراطية الحقيقية التي تسود المجتمع وبفعل حضور مؤسسات الدولة….المؤسسات المستقلة عن مؤسسات السلطة .
انغير بوبكر
المنسق الوطني للعصبة الامازيغية لحقوق الانسان
خريج السلك العالي في المدرسة الوطنية للادارة
باحث في العلاقات الدولية
فجر بريس