أخر الأخبار
الرئيسية » سياسة » سيناريوهات أفلام حول نساء مراكش لن يصورها عيوش، فهل من يصورها ؟
Visitez Example.com

سيناريوهات أفلام حول نساء مراكش لن يصورها عيوش، فهل من يصورها ؟

فجر بريس: عبد اللطيف زكي

كل يوم أقرر أن لا أعود للحديث عن عيوش وفيلمه لكن العصبية – فلا أجد اسما لما حل بي غير العصبية – يعود بي إليه.

تذكرت نهايةَ أسبوع خاصةٍ قضيتها قبل شهر أو شهرين بمراكش خصصتها لزيارة المدينة القديمة بأسواقها وساحاتها التجارية

ودروب أحيائها السكنية والمخصصة لصناعات بعينها ولمعالمها التاريخية – لا أعني فقط تلك التي تنصح بالتوقف عندها دلائل

السياحة – لكن تلك التي لا يعرفها إلا المراكشيون كأضرحة السادات والمدارس والثانويات والمعاهد التي درس فيها وتخرج منها

عشرات الآلاف مِن مَن لا يذكرهن ويذكرهم التاريخ والمستشفيات والمستوصفات التي تداوى فيها المراكشيون سهرت على

صحتهم وراحتهم فيها آلاف الممرضات والطبيبات والمساعدات الصحية والائي لا يكاد يراهم أحد ولا يسمع عنهن ولا يذكر

عملهن بخير وهن يٌعِدن الحياة – بإذن خالقهن لم كانت على شفى الإقلاع عنهم – ويزلن الألم على من حل به ولم يجد معه حيلة.

من المعالم التي قررت زيارتها ساحات كان يتجمع بها بها الطلاب – بمعنى تلامذة الثانوي – ليحتجوا عن فئوية النظام التعليمي

في المغرب والظلم في تسيير دفة الحكم ببلادهم ومطالبة المسئولين بإطلاق سراح زملائهم وأساتذتهم الذين اعتقلوا من أجل هذا

والإفراج عن من اختفوا منهم قسراً ولا يدرون أين ذهبت بهم زبانية تلك الحقب الغابرة من سنين الجمر والرصاص. أردت أن

أسمع جدران تلك الساحات والدروب تردد الشعارات الثورية من حناجر فتيات في مقتبل العمر تواجه عصي وهراوات الزبانية –

لا يعرفها عيوش ولو كان يعرفها فإنها ليست موضوع اهتمامه ولا ألومه عن ذالك فلكل اختياره – وأنا أتوقف من حين لآخر رفعت

هاتفي الذكي لآخذ صورةً فتوقف أطفال وشباب يتأملون ماذا أصور ويتساءلون هل لا أرى شيئاً لا يرونه. أصدقكم القول، لم

يسألني أحد منهم لكنني فهمت حيرتهم حيث لم يكن هنالك شيئا أبداً يصوره مثلي هنالك، فقلت لهم إنني أصور زميلاتي وهن

يجرين ويصحن بأعلى أصواتهن “هما فين هما فين …” “لا بد لليل أن ينجلي” ويحرفن عجزه فيقلن ” لا بد لل .. أن ينكسر”.

وجدت نفسي أقل إقداماً منهن أنذاك ولم أجرء على ترديد ما كن يقلنه والزبانية يتابعوهن في دروب مراكش الضيقة والملتوية

فينهلون عليهن قبل زملائهن الذكور بالضرب والركل والخبط بهراواتهن وهن لا يسكتن. لن أنس ما دمت حيّاً – وإن كُتِب لي أن

أبعث عاقلا – كلمات وجهها أحد الزبانية اعتقل تلميذة ” اليوم نْعَيدُو عليك أيتها .. أعجبتك الصباغة في أظافرك اليوم نقتلعها

لدين أمك أيتها – شبعتن الخبز فخرجتن تت …. اليوم تعرفين على ماذا يقدر الرجال”. لا أردد على مسامعكم ما سمعته بأذني

فأنا على يقين أنكم سمعتم مثله، وجدت تلميذاً لا أعرفه يحاول إنقاذ هذه التلميذة من قبضة وضرب ذلك المدجج بالسلاح

والعصي فحاولت مساعدته فإذا بالهراوات تنقض علي كذلك واعتقدت أنها همشت كتفي أو ألحقت بي عطباً سيبقى دائماً. لم

أفطن إلا ورجل كهل في أواخر خمسينياته يجرني من يدي قائلا “بدل الساعة بأخرى يا أستاذ، هذا ليس مكان هذا الكلام”.

عدت لنفسي كمن استيقظ من حلم كان يسكنه ولا يعرف كيف يحلمه. استأنفت زيارتي إلى أن استوقفتني امرأة جالسة

كالقرفصاء فوق كرسي قصير وصغير وكأنه كرسي مولود جديد أماها آنية كالسطل رُبطت على مِجمر من قصدير وعلبة من

الورق المقوى. أمعنت النظر في السيدة وإذا بها عجوز لا بد أنها في أواسط الثمانين من عمرها. فكرت أنها لا يمكن أتكون تلك

التي كنت أعرف. اقتربت منها وتأكد لي أنها هي. هي بائعة البطاطس المسلوقة تبيعها بالحبة وبأنصاف وأرباع الحبة. تلفها

للزبون في الورق وتزيده فوقها الملح والكمون وبعض نقط زيت الزيتون إن كان ميسورا. تذكرتها وكأنه الأمس لما علمتني أحسن

درس تعلمته في حياتي – درس ربما أقوى وأبقى مما كان يلقنني والدي رحمه الله وقد كان حكيماً وفقيهاً باعتراف أحكم وأعلم

أهل مدينة مراكش آنذاك. كنت عائداً مع صديقي من أمسية تخللتها نقاشات المادية الجدلية ونظرية التاريخ عند هيكل وكيف

حررها ماركس وأوقفها على رجليها بعد أن كانت تقف على رأسها وشعر لوركا ومسائل أخرى قررت أن لا أبوح بها في العموم

لصعوبة تفهمها وقلة التسامح وضيق النظر عند الكثيرين. ألفت نظرنا عند السيدة أنها كانت في وقت متأخر لازالت جالسة ترعى

نصف حبة بطاطا تنتظر زبونا تكون من رزقه. انتابني شعور حاد بضرورة التضامن الاجتماعي فطلبت منها ما تبقى لها من

البطاطا، لفَّتها ودردرت عليها ملحاً وكمونا وسألتني إن كنت أريد زيتا أو لا ثم ناولتها درهماً ولما همت بإرجاع تسعين سنتيماً لي

قلت لها لا عليك يا سيدة، احتفظي بالباقي. تغيرت ملامحها بطريقة آنية وظهر الغضب عليها وصاحت في وجهي أنا تاجرة أبيع

وأشتري وآكل من عرق جبيني وعملي وأربّي أبنائي بعرق كتفي ولست ساعية ولا مستجدية، لا آخذ من أحد أكثر من حقي لديه

ولا أتنازل لأحد عن حق لي لديه، فلماذا تحتقرنا هكذا، إن كانت لك نقود زائدة ولا تعرف مت تصنع بها فاذهب وأشتري لك كتابا

تقرأه أو تفاحةً تفرح بها أختك وأمك أو أشتر بها كاوكاو للقردة في جامع الفناء. أحسست وأن عرق الدنيا والآخرة كله صُبَ عليٌَ

وأن الدم يجمد في عروقي مما اقترفت، لم أعرف كيف أعتذر وحنيت رأسي وذهبت ولم تفارقني هذه اللقطة من الحياة الواقعية

بمراكش قط. لا ألوم عيوش وغيره إن لم يدرجوا مثلها في سيناريوهات أفلامهم الواقعية فربما لم يسهروا فيما كنت فيه ساهراً

تلك الليلة ولم يشتروا ربع حبة بطاطا يوماً ولا تتلمذوا على مثل هذه الشخصية الفذة. فلا لوم عليهم، فكل يرى ما ذهب له.

تابعت مسيرتي والدراجات الريحية والنارية تطوف في دروب وأزقة المدينة أمهر من يسوقها نساء وفتيات من كل الأعمار وبكل

أنواع الأزياء، بالجلاليب الطويلة بقب وبغير قب ونقاب وبغير نقاب وألبسة عصرية. تعرف إن كنت مراكشيا أو تواضعت وسكنت

فيه أن فيهن المدرسات بكل مستويات النظام التعليمي ابتدائيه وجامعيه والطالبات والتاجرات والممرضات والموظفات والمستشارات في الأبناك في ميادينهن والخياطات والطرازات وصانعات الزرابي والطباخات الماهرة والرياضيات الفائزات بالميداليات الوطنيةوالدولية، أمهات وزوجات وربات بيوت وأرامل- كالرجال تماماً يخرجن من بيوتهن للعمل الشريف ولإعالة نفسهن ومشاركة

أزواجهن وأبائهن في مسئوليات الحياة العادية. لا يعرف عنهم عيوش الكثير لأنهن لا يتوقفن ولا يحدثن أحداً لا علاقة عائلية أو

مهنية لهن به.

رأيت تجمُٰعا من الأطفال والنساء والرجال وبعضهم يصرخ وبعضهم يجري فاتجهت نحوهم لإشباع فضولي فسمعت من يقول إنه

شاب كان يمشي فسقط وكأن شيئاً أصابه فسألت هل هنالك أحد يساعده. كانت هنالك امرأة تتفحصه وتعطي أوامرها للناس

بأن ينفضوا عنه ليتنفس، أخرجت من حقيبتها تلك الآلة التي يتنصت بها الأطباء على قلوب الناس ورئاتهم وأخذت تعملها فوق

صدره وهي تتحسس نبضه ثم فتحت عينه وأطلقت عليها ضوءاً من آلة صغيرة أخرجتها من جيبها تعمل كل هذا وهي تكلم أحدا

في الهاتف فهمتُ بعد ذلك أنه كان طبيب الإسعاف تخبره بحالة المريض وهو في طريقه إليه. توقفت سيارة الإسعاف والشرطة

وتبادلت معهم حديثاً قصيراً فحملوا الرجل وأسرعوا به. كانت طبيبة أوقفها المارة لما رأو في سيارتها صورة ذالك الحنش الذي

يرمز لمهنة الطب. غادرت سيارة الإسعاف وبقيت الطبيبة تعطي تفاصيل ما لاحظته لضابطة الشرطة التي كانت تسجل أقوالها

في لوحة إليكترونية. كل هذا من نساء مراكش، أراه في أقل من نصف يوم ولم يره عيوش في الشهور العديدة التي كان يختمر

فيها سيناريو فيلمه، لا ألومه، فلم يكن ذلك موضوعه فقد تعلمت في دروس الانتربرلوحيا منذ أربع عقود أن الإنسان لا يعبر إلا

على ما يعرف وأن اللغات لا تعكس إلا الواقع التي أنتجها وبذلك تختلف عن بعضها. فبماذا نلومه وعلى ماذا نلومه إذن ؟

وأنا أمشي تشد عيني لوائح خشبية ونحاسية في أبواب العمارات أثبتت لي ما كنت أعرفه من أن النساء يمارسن مهن الطب

والقانون والهندسة المعمارية والمحاسبة على الأقل بنِسَب متكافئة مع من يمارسونها من الرجال. محاميات شديدات وموثقات

خبيرات بدقائق الأعمال ومعاملات التجارة الداخلية والدولية وطبيبات وجراحات من أمهر من في اختصاصاتهن وباحثات في

العلوم الدقيقة والتجريبية والإنسانية وشاعرات وأديبات وصحفيات وفاعلات جمعيوات في حقول الحفاظ على البيئة وحقوق

الإنسان والمواطنة ومديرات أبناك ومؤسسات تجارية عملاقة ورئيسات أقسام إدارية حساسة سياسيا واقتصاديا ومسئولات في

أعلى مناصب تدبير شؤون التراب الوطني وضابطات في صفوف الشرطة والدرك والجيش والطيران وفنانات راقيات، لا ألوم

عيوش عن عدم الاهتمام بهن فهن لسن موضوعه وما يقمن به للتقليص من الفقر ومحاربة الهشاشة والقضاء على الجهل والظلم

والمرض وأسباب الجريمة والدعارة ليس مما يهمه، وذلك من حقه وليس من الواجب عليه أن يصور لزبناء أفلامه ما يتحملن من

متاعب وصعوبات وما يتجشمن من مشاق في التأليف بين مسئولياتهن المهنية والعائلية والمدنية والوطنية وما يحاربنه من أمثال

من لا يروا فيهن سوى جسد وما يمكن لهم أن يسرقوا منه ويتطاولوا عليه ويتاجروا فيه.

وأنا أمشي في السوق رأيت نساءً تمشي قاصدةَ الخُطى سريعتَها – لن يعرف من هو ليس مراكشي أو تواضع مع المراكشيين

وعايشهم بصدق وحب يبدلونهم إياه – تَحمل رزماً من الثياب والمناديل والخرق فصلهنا ويختنطها ويطرزنها في بيوتهن بعد أن

ينتهين من مسئولياتهن الاجتماعية فيذهبن بها للسوق يبعنها لتجار يعرفون قيمتهمن ويجلُّونهم ويحترمونهم أو يسلمنها لآخرين

بينهم وبينهن شراكات مبنية على الثقة والاحترام أو يشتغلن لهم بأجر وإن كان قليلا فليس فيه ظلم لهن ولا استغلال لوضعيتهن.

توقفت للسلام على صديق قديم يشتغل بزازاً ونحن نحتسي شاباً منعنعا برزته جاءته امرأة حدثته فأعطاها أثواباً من ألوان

وأنواع مختلفة. لم أفهم شيئاً فسألته كانت السيدة من من يشاركهن العمل هو بالقماش وبعرض السلع في دكانه وهن بالعمل

ولكل حقه في الربح. لا يعرف عن السيدة إلا اسمها الشخصي، لا يعرف أين تسكن ولا يعرف أهلا لها وليس له ضامن لها.

تعجبت لهدا الأمر فقال لماذا تتعجب فلا ضامن لها بما أبيع ما صنعته ولا تشك في أنني سأغشها في حساب رزقها وأداءه لها.

علاقة تجارية بين امرأة ورجل لا يأخذ منهما ضمانات على الآخر وهما يتعاملان منذ عقود ولم يحصل شنآن بينهن. زاد من

عجبي وحيرتي واحترامي أنه أكد لي أن ما من مرة احتاج مالا فاقترضه منها واحتاجت هي مالا فقرضها إياه دون شرط ولا

قيد ولا فائدة ولا ضمان ولا هو يعرف أين تسكن. “هذا هو سوق مراكش، وهكذا التعامل فيه” قالها وكأن هذا مت تحصيل

الحاصل. كنت أعرف بزازاً آخر كان يسلم الزبناء والزبونات سلعاً ويقرضهم مالا وهو لا يعرف عنهم وعنهن شيئاً. كنت أظن أنه

حالة شاذة أو أنه من آخر أولياء الله في مراكش فإذا به رجل ككل رجال أسواق مراكش. لا يدخل الغش والخداع في حساباتهم

في علاقاتهم بينهم ومع زبنائهم. وإن حدث شيئا لا يتصورونه قالوا “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم” والغائب حجته معه.

لا يعرف عيوش أن هاته النساء من أكبر محركي اقتصاد المدينة لولاهن لما تمتعت عيون زوار المدينة والسياح بجمال السراويل

والقفاطين والمناديل والأقمشة والحلويات التي تزيد الأسواق بهاءً وسحراً لما تعرض في الدكاكين الصغيرة التي لا يعرف عيوش

كيف وبعمل من تمتلؤ رفوفها، لا ألومه على عدم الاهتمام بحياة هته النساء الكريمات المحصنات العاملات بجد ونشاط لا تشتكي

ولا تشتري دراهم رخيصة بحكاية قصتها.

وأنا أمشي مررت بنساء يصنعن ويبعن طاقيات جميلة زاهية الألوان مختلفة الأشكال والزخرفات وأخريات يصنعن أمام عينيك

ويبعن أطباقاً من الدوم والسِّمار بأحجام وكأنها درست حاجياتك وعرفت بالظبط ما أنت تريده فتشتري منها ولم تكن قد خرجت

لتتسوَّق. مررت بأخرى تبيع طعارج مزوقة بكل الألوان التي يمكنك تصورها وبطراز يحير عقلك كيف توصلت له هذه النساء

البسيطات الطيبات. سألت واحدة عن ثمن طعريجة فردت السؤال بمجموعة من الأسئلة كانت تحتاج أن تعرف السبب الذي أريد

اقتناء الآلة من أجله وعمر من سيستعملها حيرتني أسئلتها لكن تقديري واحترامي لهذه المرأة ولمهنتها زادت لما فهمت أن بعض

الطعاريج لا تصلح إلا للتزيين ولا تصلح للعب بها وأن طين وصباغة بعضها لا تصبر على الحرارة العالية وأن جلد بعضها لا

تصبر على درجات عليا من الرطوبة وأخرى صباغتها لا تصلح للصبية كما اكتشفت أن ما كنت أسميه طعارج كان خطءً إذ أن

لكل نوع وشكل وحجم منها اسمه الخاص واستعماله الخاص وأن التربة والجلد والصباغة وطرق إعمال النار فيه تختلف على

الآخرين، ألا أن الجهل المركب متفش فينا وفي ما نعتقده أقرب منا أو أنه تافه لا يستحق التمعن فيه. كيف ألوم على عيوش عدم

اهتمامه بمثل حياة ومهن هته النساء وأنا المراكشي لم أهتم بها من قبل ؟

رأيت بائعات الخبز والبغرير والرغائف بكل أنواعها والكعك والحرائر بدارهم قليلة تعرف أن هامش الربح فيها يكاد يكون منعدماً

وهي بشوشة تدعوا لك ولذويك كلهم بالرحمة لموتاهم وبالصحة والعافية للأحياء منهم. نساء يشتغلن، لا بد أنهن يستيقظن قبل

الفجر لتهييء بضاعتهن وإحضارها للأسواق ولتزويد أبعالهن وأولادهن بوجبات فطورهم وغذائهم اليومية. نساء يشتغلن ويشقين

يحافظن على الابتسامة وعلى الكرامة والأنفة. لم تسمح ظروف عيوش للتعرف عنهن ولو سنحت وحصل وتعرف عنهن فإن ظروف

عيشهن ومحنهن ليست موضوع أفلامه، فاهتماماته أخرى وذلك حقه.

منذ وقت قررت أن في جامع الفناء ما لا أريد تزكيته برؤيته فتوقفت عن زيارتها كلها، كرهت أن أرى صبية قردة سرقت من

أمهاتها في الجبل وحرمت من حريتها في الغابة ومن حنان اخوانها وحماية قبيلتها لتسجن في صناديق صغيرة وتدرب بالعصى

والعنف والكي بالكهرباء على ما يراه المتفرج أنه لعب وهو في الحقيقة تعبير عن الألم الشديد وتذكر لعذاب أليم. كرهت أن أر

فصائل من الثعابين مهددة بالانقراض أو انقرضت تعرض في ساحة لا علاقة لها بطبيعة حياتها ولا يعلم صاحبها أنه بسحبها

من بيئتها عرضها لفقدان توازن كان لها فيه دور أساسي. كرهت أن أرى ابن آوى الذكي والثعلب الماكر غي أغلال أو يطلون من

أقفاص ينتظرون حتفهم. كرهت أن أرى السلاحف تباع لأناس لن يعرفوا كيف تعيش فتموت لديهم غرقاً أو جوعاً أو مرضاً.

أوقفني شباب يتحلق حولهم أناس مغاربة وأجانب يحكون قصصاً بلغات أجنبية سليمة وبأسلوب سلس لا يستقيم إلا لمن تقدم

ليس فقط في تعلم اللغات الأجنبية بل كذالك في دراسة الأداب العالمية. وقفت في حيرة من أمري محاولا تحليل الظاهرة وفهمها.

تبين لي أنه فريق من الشباب، فتيات وفتيان، يدعم الواحد منه الآخرين ويتناوبون على وسط الحلقة وشيخ وسيم نقي الهندام

جالس على كرسي يتابع حركاتهم بدقة ويؤيد عمله بعينين خبيرتين لا تفرقهم. عرفت مما رأيته أنه شيخهم في مهنة اختاروا

ممارستها غير المهن الأخرى التي يخولهم تحكمهم من اللغات الأجنبية ممارستها وعرفت مما رأيته أنهم، سعداء وراضين بما

يفعلونه. احترت وكدت أسأل الشيخ أو أحدهم لكنني تراجعت ولم أفعل، ولماذا أفعل، هل سبق لي أن سألت غيرهم من منشطي

حلقات جامع الفناء لماذا يفعل ما يفعله ؟ سيكون سؤالي من الميز الذي لا أجيزه لنفسي فهؤلاء فتيان وفتيات أقنعني عملهم بأنه

جميل وبأنهم سعداء به فهذا كل ما أحتاجه. غادرت حلقتهم وأن أردد في قرارة نفسي لا بد أن أسأل أحدا عن هؤلاء، لم أفعل،

فلماذا ألوم عيوش عن عدم ملاحظته لهؤلاء وإنتاج فيلم حولهم ؟ ربما لو كانت صحة الطيب الصديقي لازالت تسمح له بالعمل

لفعل ذلك … ربما يفعلون بنفسهم يوماً … ربما أفعل أنا، فلم لا أفعل ؟

كان لي موعد بعد الزوال في قاعة محاضرات كبيرة في إحدى كليات مراكش لحضور عروض ومناقشات حول الفنون الشعبية

الغنائية بالمغرب. كان القاعة غاصة بالمهتمين والمهتمات عرفت من تدخلاتهم وتدخلاتهن بعد المحاضرات أن المدينة تزخر أكثر مما

كنت أتصور بمثقفات ومثقفين رفيعي المستوى لهم أفكار وآراء متقدمة يعبرون عنها بلباقة ولياقة كبيرتين وبلغة عربية فصيحة

عذبة قل ما أصادف مثيلاتها. بعد هذا اللقاء الأدبي استدعانا المنظمون لحفل غنائي تسهر عليه جمعية مدرسة كبرى مساء ذلك

اليوم. جمع الحفل الغنائي أصوات من طالبات وطلبة المدارس العليا وبعض الكليات العلمية والتقنية أبلوا بلاءً حسناً في أرفع

الموشحات الأندلسية والألة الغرناطية وقصائد الملحون الراقية. علمت بعد ذلك أن فناناً كبيرا، وهو السيد با جدوب كان قد استمع

لعملهن فتطوع بورشات تكوينية لفريقهم وكان بجنبهن حين تموينهن لتلك المهمة. فتيات وفتيان يحاضرون ويناقشون أساتذتهم

بما يستحقون من اللياقة والجرأة الأدبية وآخرون يدرسون في أكبر المدارس يكونون فريقاً للفنون الشعبية الرفيعة فيجدون في

فنان كبير موافقاً متطوعاً، هؤلاء فتيان وفتيات مراكش لم يصادف عيوش الحظ فلم يتعرف عليهم ولا على أمهاتهم وعماتهم

وخالاتهم وأساتذاتهم وطبيباتهم. لا يمكنني أن ألومه عن ذلك، فربما هو لا يعاشر مثل هذه البيئات ولا تهمه، وهذا من حقه.

يحق لمن أراد أن يصنع فيلماً حول الدعارة في مراكش أن يفعل ذلك وليس لي أن أحكم على نواياه لكن من حقي أن أتسائل

لماذا لم يصنع أحد فيلما حول أحد هذه الشخصيات والحالات الاجتماعية والثقافية المراكشية الأخرى، فلا بد أن خلف صوره

هته النساء والفتيات التي بدت لي وأنا أمشي أو صادفتها وهي تعمل قصصاً جميلةً وأخرى محزنة وأخرى تنم على الصبر

والجلد وأخرى عن الضعف والشك وأخرى عن النجاح وأخرى عن الفشل وبعضها عن الحب العذري وربما القوي وأخرى عن

الأمل الكاسح وأخرى عن الإحباط والكآبة وربما أخرى عن العمل الشاق والمضني والذي لا يجني منه أصحابه ما يسد رمقهم

وعن عمل سهل يذر على أصحابه الأموال الطائلة، كلها قصص نساء في حياتهن اليومية الحقيقية والتي ليست الدعارة منها،

كلها تستحق أن تصنع الأفلام حولها… ولكل عين ما ترى …

عبداللطيف زكي

الرباط، 7 يونيو 2015__

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *