
في مشهد محلي مثير للفخر، وقف رئيس الجماعة على منصة مزينة بالورود، ممسكًا بالمذياع بكل ثقة، ليعلن بصوته الجهوري أمام الحاضرين: “لقد حققنا إنجازًا تاريخيًا لم تشهده هذه المنطقة منذ الاستقلال! الماء والكهرباء أصبحا في متناول الجميع!”. تعالت التصفيقات والهتافات، وانطلق الأطفال يركضون فرحًا وكأنهم اكتشفوا بئر النفط الأول في البلاد.
لم يكن هذا المشهد عاديًا، بل كان احتفالًا يليق بمناسبة عظيمة: تركيب حنفية ماء في منزل الحاج ميلود، ومد كابل كهربائي إلى منزل الحاجة عائشة. المسؤول كان يتحدث وكأنه أرسل أول صاروخ مغربي إلى المريخ، متناسيًا أن الماء والكهرباء حق طبيعي، وليس إنجازًا يُخلد في كتب التاريخ.
في اليوم التالي، تصدرت العناوين: “إنجاز غير مسبوق: الجماعة تضيء المنازل!”. وجلس السكان لمتابعة نشرة الأخبار المحلية التي استعرضت مشاهد تدشين العمود الكهربائي رقم 17 وسط الأهازيج. وربما، لو أمعنا النظر، لوجدنا أن العمود نفسه ينظر إلى المشهد بحسرة، متسائلًا: “أليس هذا هو عملي الطبيعي؟”.
أما السكان، فقد بدأوا يتساءلون بمرارة ممزوجة بالابتسامات الساخرة: “وماذا عن المستشفى الذي وعدونا به؟ وماذا عن الطرقات التي تتحول إلى أنهار في أول زخة مطر؟ وماذا عن المدارس التي تتساقط جدرانها؟”. لكن رئيس الجماعة كان جاهزًا للرد، مبتسمًا كعادته: “كل شيء في وقته، دعونا نستمتع أولاً بهذا النصر الحضاري!”.
في الحقيقة، نحن أمام ظاهرة فريدة حيث تُقدم الحقوق الأساسية للمواطنين كأنها منجزات إعجازية. لعل الخطوة المقبلة ستكون حفلًا رسميًا بمناسبة تشغيل إنترنت الجيل الثالث، أو ربما احتفالًا كبيرًا بتوزيع مصابيح موفرة للطاقة. ومن يدري، ربما في المستقبل، قد ينظمون مهرجانًا عالميًا بمناسبة بناء مرحاض عمومي!
عندما تتحول أبسط الحقوق إلى إنجازات تُباع لنا على أنها عظائم الأمور، نفهم أن التنمية الحقيقية لا تزال بعيدة المنال. وإلى حينها، سنواصل الاحتفال بكل حنفية جديدة، وعمود كهربائي يضيء الظلام… وننتظر بفارغ الصبر حفل تدشين السحاب والمطر!
فجر بريس