
الرحامنة، من الواد إلى الواد، ليست مجرد مجال ترابي واسع على الخريطة؛ إنها جغرافيا صعبة، وتضاريس متباينة، وساكنة مترامية الأطراف، وملفات متراكمة ومشاكل متشعبة، حتى بات الإقليم، في توصيف متداول، من الأقاليم التي تحتاج إلى تدبير خاص، وإلى مسؤول إقليمي يدرك تعقيدات الواقع ويعرف أن مشاكل عقود من الزمن لا يمكن حلها بمنطق الجلوس خلف المكتب وانتظار التقارير.
في مثل هذه الجغرافيا، يصبح العامل أكثر من مجرد مسؤول إداري؛ يتحول إلى فاعل ميداني مطالب بأن يرى الإقليم كما هو، وأن يلامس اختلالاته عن قرب، وأن يضع التنمية الترابية والبشرية في صلب تدبيره. ومن هنا يبرز الدور الذي اضطلع به عامل إقليم الرحامنة عزيز بوينيان، الذي جعل من الحضور الميداني إحدى سمات عمله، وخاض على امتداد سنواته بالإقليم جولات ماراطونية عبر مختلف الجماعات والمراكز والقرى، للوقوف على مكامن الخلل، والاستماع إلى انتظارات الساكنة، ومتابعة المشاريع من مواقعها، بدل الاكتفاء بمنطق التقارير والمكاتب.
تسع سنوات على رأس الإقليم ليست رقماً عابراً. وهي مدة زمنية تسمح بقراءة الحصيلة بعيداً عن الانطباعات العابرة، وبعيداً كذلك عن محاولات التبخيس أو التشكيك. فالواقع، بما له وما عليه، يكشف عن مجموعة من الأوراش والمنجزات التي أصبحت جزءاً من المشهد التنموي للرحامنة.
في قطاع التعليم، برز الاشتغال على البنية الاجتماعية المواكبة للتمدرس، من خلال دعم وتوسيع شبكة دور الطالب والطالبة وتعزيز النقل المدرسي، بما ساهم في تقليص بعض العوائق التي كانت تواجه أبناء العالم القروي، خصوصاً في المناطق التي تجعل المسافة والجغرافيا من التمدرس تحدياً يومياً.
أما القطاع الصحي، فقد تسلمه عامل الإقليم محملاً بإكراهات بنيوية وإدارية لا يملك الإقليم وحده مفاتيح حلها، باعتبار أن جزءاً كبيراً منها يرتبط بالقطاع الوصي. ومع ذلك، ظل الملف الصحي حاضراً بقوة ضمن أجندة التدخل الترابي، سواء من خلال الدفع بإخراج المستشفى الإقليمي الجديد من دائرة الانتظار إلى أرض الواقع، حيث تشارف الأشغال على نهايتها، أو من خلال تعزيز العرض الصحي بمركز جديد لتصفية الدم، في خطوة كان لها أثر مباشر على المرضى الذين كانوا يجدون أنفسهم مضطرين إلى قطع مسافات طويلة بحثاً عن العلاج.
كما شهد عدد من المراكز الصحية تدخلات لإعادة التأهيل والهيكلة، فيما تظل ملفات أخرى مرتبطة بالقطاع الوصي وتحتاج إلى مواصلة العمل والترافع حتى تكتمل حلقات العرض الصحي بالإقليم.
وفي البنية التحتية، لم يكن الرهان أقل تعقيداً. فالرحامنة تحتاج إلى شبكة طرقية تستجيب لاتساع المجال الترابي وتضاريسه، وهو ما جعل تعزيز الطرق الإقليمية وفتح وتأهيل عدد من المسالك بالعالم القروي جزءاً من معركة فك العزلة وتحسين شروط التنقل وربط السكان بمختلف الخدمات.
اقتصادياً، شكل الحي الصناعي بسيدي بوعثمان أحد الأوراش التي راهن عليها الإقليم لاستقطاب الاستثمار وخلق دينامية اقتصادية جديدة، إلى جانب مواكبة الاستثمارات والمشاريع في مناطق أخرى، بما يجعل من جلب الاستثمار مدخلاً لتوسيع قاعدة الاقتصاد المحلي وخلق فرص الشغل.
وعلى مستوى التأهيل الحضري، ساهمت الشراكات والاتفاقيات المبرمة بين مختلف المتدخلين في إطلاق أوراش لإعادة تأهيل وتجديد عدد من المجالات الحضرية، خصوصاً بمدينة ابن جرير وسيدي بوعثمان، إلى جانب إعادة هيكلة وتأهيل عدد من المراكز القروية، بما أعاد رسم جزء من ملامحها العمرانية والخدماتية.
لكن التنمية في الرحامنة لا تختزل في الإسمنت والطرق والمنشآت. فالإنسان ظل في قلب المعادلة.
وهنا تبرز المبادرة الوطنية للتنمية البشرية باعتبارها إحدى أهم الآليات التي تم الاشتغال من خلالها على معالجة مظاهر الهشاشة، ودعم المشاريع المدرة للدخل، ومواكبة حاملي المشاريع، وفتح مسارات جديدة أمام عدد من أبناء الإقليم للاندماج الاقتصادي والولوج إلى سوق الشغل.
كما حظيت الفئات الهشة باهتمام خاص، من خلال تأهيل ودعم عدد من المراكز الاجتماعية التي تحتضن فئات تحتاج إلى مواكبة ورعاية وبرامج متخصصة، في تجسيد لفكرة أن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم المشاريع، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الإنسان وتحسين شروط عيشه.
وفي هذا السياق، يبرز ملف الماء باعتباره واحداً من أكثر الأوراش حساسية واستراتيجية، خصوصاً في ظل التحولات المناخية والإكراهات المرتبطة بالموارد المائية. وقد فرض ذلك مواكبة المشاريع الكبرى المرتبطة بالماء والاستثمارات الصناعية، بالتوازي مع تحسين الولوج إلى هذه المادة الحيوية بالمجالات القروية، في انسجام مع التحدي الوطني المتعلق بالأمن المائي.
كل ذلك لم يكن ليأخذ مداه دون بناء شبكة واسعة من الشراكات بين الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص ومختلف الفاعلين. وهنا يبرز دور عامل الإقليم في الوساطة والتنسيق وجمع المتدخلين حول مشاريع مشتركة، وتحويل الاتفاقيات من مجرد وثائق إدارية إلى أوراش يفترض أن تنتج قيمة اقتصادية واجتماعية، وتخلق الثروة وفرص الشغل، وترفع من جودة الخدمات.
وبعيداً عن لغة التمجيد المطلق، فإن قراءة تسع سنوات من تدبير إقليم بحجم وتعقيد الرحامنة تقتضي وضع الحصيلة في سياقها الحقيقي: إقليم واسع، حاجياته كبيرة، وتراكمات عمرها عقود، وإمكاناته ليست بلا حدود. لذلك، فإن تقييم أي تجربة تدبيرية يجب أن ينطلق من حجم التحديات التي واجهتها، ومن طبيعة الأوراش التي تم إطلاقها، ومن قدرتها على الاستمرار وتحقيق أثر ملموس على الأرض.
أما الثابت، فهو أن الرحامنة عرفت خلال هذه السنوات دينامية في عدد من القطاعات، وأن جزءاً من الأوراش التي كانت بالأمس مجرد مطالب وانتظارات، أصبح اليوم مشاريع قائمة أو في طور الإنجاز.
وفي نهاية المطاف، فإن الثقة المولوية التي حظي بها عزيز بوينيان وتجديدها في مناسبات متعددة، تضع على عاتقه مسؤولية مضاعفة: ليس فقط الدفاع عن حصيلة ما تحقق، وإنما مواصلة ما بدأ، وتصحيح ما لم يكتمل، ورفع سقف الطموح في إقليم ما زال أمامه الكثير من التحديات.
فالرحامنة، من الواد إلى الواد، لا تحتاج إلى إدارة الملفات فقط، بل إلى إدارة التحول؛ وإلى مسؤول يعرف أن التنمية ليست مشروعاً ينتهي بتدشين منشأة، وإنما مسار طويل من الترافع، والمتابعة، والإنصات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحويل الإمكانات المتاحة إلى فرص حقيقية للإنسان والمجال و هذا ما تأتى مع عامل الإقليم عزيز بوينيان…
ومن المفيد، في خضم النقاش الدائر حول عدد من الإشكالات التي تظهر اليوم عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، التمييز أولاً بين اختصاصات المؤسسات والهيئات المتدخلة في تدبير الشأن العام. فالكثير من الملفات التي تُطرح للنقاش، والتي تُحمّل أحياناً بشكل مباشر للمسؤول الترابي الأول، تدخل في الأصل ضمن اختصاصات الجماعات الترابية أو المصالح الخارجية للقطاعات الحكومية، ولكل مؤسسة مجال قانوني وتدبيري محدد.
ومن هنا، فإن ممارسة النقد، مهما كانت مشروعة وضرورية، تظل في حاجة إلى قدر من المعرفة والإدراك لطبيعة الاختصاصات والمسؤوليات، حتى لا يتحول النقاش العمومي إلى مجرد إطلاق للأحكام والكلام على عواهنه. فالمسؤولية لا تُقاس فقط بمن يشغل موقعاً متقدماً في هرم الإدارة الترابية، وإنما كذلك بحدود الاختصاصات التي يمنحها له القانون، وبمدى قدرته على التنسيق والترافع والتدخل ضمن ما يسمح به الإطار المؤسساتي.
فجر بريس