للأسف الشديد، كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية فتحت الأحزاب دكاكينها السياسية على عجل، وكثفت لقاءاتها ودوراتها التكوينية، وأطلقت العنان لفانتازيا مفاهيمية لا تنضب، مستعيرة من القواميس السياسية أكثر العبارات استهلاكًا، ومغلفة إياها بلغة خشب لا تنتج فكرًا ولا تصنع أملًا. فجأة يصبح الحديث عن التأطير والتكوين والقرب من المواطن عنوانًا عريضًا، وكأن العمل الحزبي لا يبدأ إلا مع اقتراب موعد الاقتراع.
والحال أن المقرات الحزبية يفترض أن تكون مدارس حقيقية لإنتاج النخب السياسية وتأهيل الكفاءات طيلة الولاية الانتدابية، لا مسارح موسمية تضاء أنوارها قبيل الانتخابات ثم يسدل الستار عليها بمجرد إعلان النتائج. وما يثير الأسف أن الكثير من هذه المقرات تتحول بعد ذلك إلى أطلال سياسية صامتة، شاهدة على اتفاقات صناعة النخب وتوزيع المواقع أكثر من كونها فضاءات للنقاش العمومي والتأطير والتكوين وخدمة الصالح العام.
والأكثر إيلامًا أن بعض المقرات الحزبية لا تحركها المصلحة العامة، بل مصلحة الشخص الذي يشعل وهجها متى شاء ويطفئه متى شاء. فتفتح أبوابها حين تخدم حساباته، وتغلقها عندما تنتفي الحاجة إليها، لتتحول بذلك من مؤسسات للتأطير السياسي إلى أدوات موسمية مرتبطة بمصالح الأفراد أكثر من ارتباطها بخدمة المواطنين.
فجر بريس