في قاعة اكتظت بأكثر من 300 شخص في مدينة ابن جرير، برزت ندوة نظّمها المكتب الإقليمي لحزب التقدم والاشتراكية بالرحامنة كلحظة استثنائية للتأمل في إحدى أهم الوثائق التشريعية التي تؤسس للعلاقات الإنسانية داخل الأسرة المغربية: مدونة الأسرة. هذه الندوة، التي لم تكن مجرد لقاء عادي، جاءت لتناقش “ورش إصلاح مدونة الأسرة بعد اكتمال المسار الاستشاري”، مسلطة الضوء على الإشكاليات والقيم الفلسفية التي تحكم هذا النص التشريعي.
الأسرة، باعتبارها نواة المجتمع، هي فضاء الالتقاء بين الفردية والجماعية، بين الحرية والمسؤولية، وبين الحقوق والواجبات. وفي سياق هذه الندوة، ظهر سؤال جوهري: كيف يمكن لهذا الإطار القانوني أن يوازن بين مبدأ المساواة، الذي يدافع عنه التوجه التقدمي، وحساسية التقاليد الثقافية والاجتماعية الراسخة؟
المداخلات لم تكن مجرد قراءات تقنية للنصوص، بل دعوة للتفكير في الأسس الفلسفية للعدالة داخل الأسرة. سمية منصف حجي، عضوة المكتب السياسي للحزب رأت في المساواة بين الجنسين ليس مجرد مطلب حقوقي، بل تعبيرًا عن سعي الإنسان لتحقيق الانسجام الأخلاقي داخل المجتمع، حيث تكون الأسرة فضاءً للعيش المشترك بعيدًا عن الظلم أو التمييز.
من جهة أخرى، قدمت أستاذة التعليم العالي، مرية الغزاوي، تصورًا اقتصاديًا يحمل في طياته فلسفة الاعتماد المتبادل، مؤكدة أن الأسرة ليست فقط وحدة اجتماعية، بل كيان اقتصادي يعتمد فيه الجميع على حسن تدبير الآخر. هنا يظهر البعد الأخلاقي للمدونة، حيث تعكس القوانين ليس فقط العدالة النظرية، بل تترجم القيم التي تقوم عليها علاقات الشراكة.
أما فاطمة الزهراء العزوزي، فقد سلطت الضوء على دور المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية كأداة للتغيير، معتبرة أن المشاركة الفعالة للمرأة في المجتمع تعبر عن تحرر الإنسان عمومًا من القيود التي تعيقه عن تحقيق إنسانيته الكاملة.
الندوة اختتمت ببرقية الولاء إلى الملك محمد السادس، و قد أثارت هذه الندوة أسئلة تتجاوز النصوص القانونية إلى أفق القيم والمعاني. كيف يمكن لمجتمع أن يعيد صياغة قواعد الأسرة بما يحافظ على توازنه الأخلاقي؟ وكيف يمكن للتشريع أن يكون أداة لخلق انسجام حقيقي بين الحرية والالتزام داخل هذا الفضاء الحميمي؟
إن هذه الندوة لم تكن مجرد حدث محلي، بل مرآة لتأمل فلسفي عميق حول معنى الأسرة ومكانة الإنسان داخلها، وكيف يمكن للقانون أن يكون وسيلة لتحقيق التوازن بين الفرد والمجتمع.

فجر بريس