لم تتخيل، الأم المصدومة،يوما أن ابنها الذي كانت تتلألأ عينيه براءة، ستكون يوما من الأيام فريسة نزواته الجنسية. في يوم مر على الأم المكلومة كأنه خمسين ألف سنة، حينما هم الابن العاق بها و أسلم نفسه لشيطان غوايته و زينها له إبليس في لبوس حسن، و بدت له مكتنزة، حينها كشر عن أنيابه، متجردا من كل أحاسيس الإنسانية و علاقة الأمومة، و بدا فرجها غاية من غاياتها الكبرى و هو الفرج الذي خرج منه و هو قطعة لحم يناجيها. في ذلك اليوم اكفهرت الدنيا في عينيها وحجبت الظلمة خيوط الشمس المتلألئة، وسقط القناع، وذرت الرياح أبخرة أحلامها، و استرجعت شريط الذكريات في ثواني معدودات، وهي تحنو على صغيرها الذي توسمت فيه كل الخير و علقت عليه كل أحلامها. شريط ذكريات الأم المجروحة، حرك فيها قوى خفية، جعلتها تنتفض كالباشق على صغار القطا، و هي بين مخالب الابن المسعور، تحت تأثير الأقراص المهلوسة، تستجديه وتتوسل إليه، لتطلق العنان للسانها و تطلق صرخة النجدة من عمق فؤادها، مدركة أن الموت يحفها من كل جانب.. وأخيرا استجاب القدر لصرختها، وجاء المدد و الغيث، ليطلق بعدها الابن المسعور ساقيه للريح و يفر تاركا وراءه ندوبا و جراحا لن تندمل.
سارعت الأم و هي مذعورة من هول الفاجعة إلى أقرب مخفر للأمن، استقبلها الضابط، مرتجفة أطرافها لتسقط مغشيا عليها… بعد دقائق معدودات، أفاقت المرأة… سألها الضابط عن مصابها الجلل، فأجابته بدموع منهمرة و حرقة بالغة: ” ابني سيدي الضابط، حاول اغتصابي”، لم يصدقها الضابط في أول وهلة ورد عليها: ” اتدري ما تقولين يا امرأة؟ كيف لابنك أن يغتصبك؟”، فردت المسكينة في صمت رهيب:”نعم سيدي ابني الذي قضيت سنين شبابي في تربيته و توفير كل احتياجاته، قد حاول اغتصابي، و نزع سروالي، و مزق تباني، ها أنت انظر يا سيدي”، فلما رأى الضابط ما رأى، ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأخذها بكل رقة إلى مكتبه،و استمع بكل اهتمام إلى مآساتها، ليقرر بعد ذلك ربط الاتصال بالوكيل العام للملك، وحكى له ما سمع و ما رأى.. أمره المسؤول القضائي باعتقال الابن و التحقيق معه في ما حكت والدته. أرسل الضابط دورية للبحث عنه بسرعة البرق.
بعد ساعة من الزمن، أحضر المجرم، مصفد اليدين.. واجهه الضابط باتهامات والدته، طأطأ رأسه ثم رفعه ضاحكا: ” هي من راودتني عن نفسها،ودعتني لفراشها”،استغرب الضابط من جوابه اللئيم، و أدرك أنه يستجوب بشرا من نوع آخر، فأحكم قبضته عليه بمعية محققين آخرين، ضيقوا عليه الخناق قبل أن يقر بفعلته، و يعترف بجرمه في حق والدته.. بعد انتهاء مسطرة التحقيق أحيل على أنظار النيابة العامة التي ارتأت بعد الاستماع إليه و والدته و الشهود الذين خلصوها من براثنه، إحالته على غرفة التحقيق لتعميق البحث، و بعد جلسات طوال من التحقيق المعمق، أحيل على المحاكمة بغرفة الجنايات بالحسيمة، لمناقشة تفاصيل القضية، قبل أن تقضي العدالة بسجنه عشر سنوات نافذة، لكن النيابة العامة التي ظلت تطالب بتشديد العقوبة، طوال أطوار المحاكمة، استأنفت الحكم، و اعتبرته غير كافيا مقارنة بالذنب الذي ارتكبه المجرم. لتفتح صفحة جديدة من المحاكمة بمحكمة الاستيناف، والتي خلصت في حكمها بأن المحكمة مصدرة الحكم الابتدائي قد جانبت الصواب في مدة العقوبة، و ترفع العقوبة الحبسية إلى ثلاثة عشرة سنة نافذة في حق الابن العاق.
فجر بريس