أخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة و فن » فسحة رمضانية: كتاب الموساد “العمليات الكبرى”
Visitez Example.com

فسحة رمضانية: كتاب الموساد “العمليات الكبرى”

ni

المكان: لندن. الزمان: أواخر يوليو 2007. خرج أحد نزلاء فندق كبير في كنسينجتون من غرفته في المساء، ونزل عبر المصعد إلى بهو الفندق ثم خرج من الفندق متجهاً إلى سيارة كانت في انتظاره بالخارج. هذا الشخص كان مسئولاً سورياً كبيراً وصل قبل ساعة من دمشق، وأسرع بالذهاب للقاء في وسط المدينة.
في اللحظة التي خرج فيها الرجل من الفندق قام شخصان من كراسيهما الموجودة بإحدى الزوايا الجانبية في بهو الفندق، واستقلا المصعد، واتجها إلى غرفة النزيل السوري، وفتحا الباب بمفاتيح مقلدة، ومشطا الغرفة بطريقة مهنية، إلا أنهما لم يكونا بحاجة لبذل الكثير من الجهد. على منضدة الكتابة الموجودة بالغرفة وجدوا الحاسب المحمول الخاص بالنزيل السوري. وضع الرجلان في الحاسب “حصان طروادة”، أي برنامج تجسس بهدف فتح بوابة ثالثة داخل الكمبيوتر. عن طريق تلك البوابة كان من الممكن المراقبة عن بعد ونسخ كل المادة المحفوظة على الحاسب. غادر الشخصان المجهولان الغرفة خلال دقائق.
هكذا بدأت قصة المفاعل النووي السوري، حسب التقارير التي نشرت في صحيفة هاآرتس وفي العالم. وبحسب تلك التقارير يمكن استنباط السيناريو التالي:
من الكمبيوتر المحمول وصلت لأيدي الموساد مادة استخبارية لا تقدر بذهب، حيث كشفت للوهلة الأولى النقاب عن البرنامج النووي السوري.
النتائج كانت مدهشة: برامج بناء المفاعل النووي في منطقة دير الزور، ومكاتبات مع عناصر في النظام الكوري الشمالي، وصور توضح المفاعل النووي مغطى بالخرسانة، وصور أخرى يظهر فيها شخصان: الأول آسيوي الملامح، وهو أحد قيادات البرنامج النووي لكوريا الشمالية، والثاني عربي الملامح، والذي عرف فيما بعد بإبراهيم عثمان، رئيس هيئة الطاقة الذرية السورية.
الأدلة كانت دامغة، وانضمت لمعلومات أخرى متراكمة في الفترة من 2006 و2007، لدى رؤساء الطائفة الاستخبارية الإسرائيلية. بحسب تلك المعلومات بنت الحكومة السورية تحت غطاء كثيف من السرية مفاعلاً نووياً في منطقة صحراوية بدير الزور، شمالي شرق الدولة. هذا الموقع المنعزل يقع بالقرب من الحدود التركية، وعلى مسافة 160 كم من الحدود العراقية- السورية. أحد التفاصيل المدهشة للغاية المتعلقة بالمفاعل السوري هي أنه بني بتمويل إيراني وبمساعدة خبراء من كوريا الشمالية.
بدأت العلاقة الوطيدة بين سوريا وكوريا الشمالية بزيارة رئيس وزراء كوريا الشمالية لسوريا، بناء على دعوة من الرئيس حافظ الأسد قبيل اندلاع حرب الخليج. عندئذ تم التوقيع على اتفاق تعاون عسكري وتكنولوجي بين الدولتين. وعلى الرغم من طرح الموضوع النووي في حينه، قرر الأسد تنحيته جانباً والاكتفاء بتطوير سلاح كيميائي وبيولوجي، وجمد برامج لشراء مفاعلات من روسيا. وفي فبراير 1991، أثناء حرب الخليج، وصل أول طرد صواريخ من كوريا الشمالية إلى سوريا. وقد رفض وزير الدفاع موشيه آرنس اقتراح بشن عملية هجومية لوقف الطرد، لكي لا يتسبب في اشعال المنطقة. وفي يونيو 2000، أثناء جنازة أبيه، التقى بشار الأسد بأعضاء الوفد الكوري الشمالي. وتحت غطاء كثيف من السرية بدأوا في حينه طرح موضوع بناء المفاعل في سوريا بواسطة “الوكالة السورية للأبحاث العلمية”.
وفي يوليو 2002 جرى لقاء سرياً للغاية في دمشق بين مندوبين سوريين وإيرانيين وكوريين شماليين. وخلال اللقاء عقدت الصفقة الثلاثية، والتي يلتزم فيها المندوب الإيراني بتمويل تكلفة إقامة المفاعل، التي بلغت نحو اثنين مليار دولار. نستنتج من ذلك أنه خلال خمس سنوات لم تعلم وكالات الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية أن السوريين يبنون سراً مفاعلاً نووياً.
خلال تلك السنوات أضيئت بعض لمبات التحذير، لكن ثمة أحد لم يلاحظها. الأجهزة السرية الأمريكية لم تحسن تفسير المعلومات التي وصلت إليها، بينما ساد في الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية التقدير بأن السوريين غير معنيين أو ليست لديهم القدرة على امتلاك سلاح نووي، لذا ثمة أحد لم يكبد نفسه عناء البحث عن معلومات تحطم هذه الرؤية. علاوة على ذلك، كانت الأدلة واضحة بصفة خاصة: في 2005 غرقت سفينة شحن قبالة سواحل نهاريا قادمة من كوريا الشمالية إلى سوريا، وكان على متنها شحنة “أسمنت” وأفراد طاقمهما كانوا سوريين ومصريين. وفي 2006 ضبطت قبرص سفينة شحن كورية شمالية، تحمل علم بنما، وكانت متجهة إلى سوريا وعلى متنها حمولة أسمنت أخرى مع منظومة رادار محمولة. وفي أواخر 2006 زار دمشق خبراء نوويون إيرانيون، والذين جاءوا لمتابعة التقدم في بناء المفاعل النووي السوري. لقد رأى الإسرائيليون والأمريكيون كل هذه الأدلة لكنهم لم يفهموا أن الحديث يدور حول مسيرة بناء مفاعل نووي.
اتبع السوريون أسلوباً آخراً بهدف “تنويم” إسرائيل والولايات المتحدة: فقد فرضوا صمتاً إعلامياً على كل العاملين والخبراء الذين كانوا في الموقع. وحظروا عليهم جميعاً حمل أجهزة هاتف محمول، كما حظروا أيضاً استخدام هواتف أقمار صناعية، وكل الاتصالات كانت تجري عن طريق مبعوثين كانوا ينقلون الأخبار والرسائل المطلوبة. لم يُكشف النقاب عن الموقع رغم التقاط أقمار تجسس أمريكية وإسرائيلية صوراً له بدون توقف.
– فجأة وقع حادث أدهش إسرائيل والولايات المتحدة:
في 7 فبراير 2007 وصل من طهران إلى دمشق الجنرال الإيراني علي رضا عسكري، وهو من قيادات الحرس الثوري سابقاً ونائب وزير الدفاع الإيراني. انتظر عسكري في العاصمة السورية حتى تأكد من أن أسرته بالفعل في طريقها إلى خارج إيران، عندئذ استمر في رحلته المتجهة إلى تركيا.
وفي أسطنبول اختفت آثاره.
فقط بعد مرور شهر اتضح أن الجنرال عسكري هرب إلى الغرب، في عملية خططت لها مسبقاً وكالة الاستخبارات المركزية بالتعاون مع إسرائيل. خضع عسكري للتحقيق في إحدى القواعد الأمريكية بأوروبا- على الأرجح في ألمانيا- وكشف لمضيفيه أحد أكثر الأسرار غموضاً لطهران ودمشق. كشف عسكري العلاقة الثلاثية بين سوريا وكوريا الشمالية وإيران. وحكى لمحققيه أن إيران تدفع وتمول إقامة المفاعل النووي في دير الزور. كما أدلى بتفاصيل أخرى حول حالة المفاعل النووي والمسئولين الإيرانيين الذين يقدمون المساعدة والمشورة للسوريين.
هذه المعلومات الجديدة أدخلت إسرائيل في حالة استعداد عملياتي. وبدوره، رصد الموساد الجهود والموارد للتحقق من التفاصيل التي أعلنها الجنرال الإيراني. كما عقد رئيس الوزراء إيهود أولمرت اجتماعاً لقيادات الأجهزة الأمنية لإجراء مناقشات خاصة من أجل بلورة إجماع على ضرورة العمل على وجه السرعة لإحضار أدلة دامغة وموثوقة ومؤكدة حول المفاعل النووي. كان واضحاً للجميع أن إسرائيل لا يمكنها التسليم بتحول سوريا، العدوة اللدودة، إلى قوة نووية.
خلال أشهر معدودة نجحت قيادات الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية في وضع مادة الإدانة على طاولة رئيس الوزراء.
بعد مرور خمسة أشهر على هروب الجنرال عسكري حدثت انعطافة جديدة في التحقيقات: كشف المادة الموجودة في حاسوب المسئول السوري الذي يزور لندن.
إلا أن الموساد حقق نجاحاً آخر: فقد استطاع بطرق ملتوية تجنييد أحد العاملين في المفاعل، والأخير التقط العديد من الصور وكذلك سجل شريط فيديو من داخل البناية التي كانت في المراحل الأخيرة من البناء. تضمنت المادة صور للمفاعل التقطت من الأرض، والتي من خلالها يمكن بوضوح رؤية بناية ضخمة بيضاوية الشكل ذات حوائط سميكة ومدعومة جيداً. كما كان من الممكن ملاحظة وجود سقالات أقيمت لتدعيم حوائط المبنى. وقد أظهرت صور أخرى بناية ثانية، أصغر حجماً من الأولى، وبها العديد من طلمبات ضخ الوقود وبجانبها حاويات. وبالقرب منهما توجد بناية ثالثة، وبحسب تقديرات الخبراء فإن الغرض من تلك البناية هو تزويد الماء اللازم لتشغيل المفاعل النووي.
حرصت إسرائيل على إطلاع الأمريكيين، في الوقت الحاسم، على كل المادة التي نجحت في الحصول عليها، بما في ذلك صور حديثة بالأقمار الصناعية وتسجيلات التنصت على الاتصالات بين كوريا الشمالية ودمشق. وتحت ضغط إسرائيلي شغلت الولايات المتحدة أقمار التجسس خاصتها. وسرعان ما تراكمت مادة حديثة تضمنت أيضاً صور التقطت عبر الأقمار الصناعية الأمريكية المتطورة، ومواد أخرى تم الحصول عليها بوسائل إلكترونية، والتي أظهرت أن السوريين يواصلون بناء المفاعل بوتيرة سريعة.
في يونيو 2007 سافر رئيس الوزراء إيهود أولمرت في رحلة إلى واشنطن مع كل المادة الحديثة التي لدى إسرائيل، وفي نهاية حديث مطول مع الرئيس بوش أبلغه بأنه قرر ضرب المفاعل السوري. الأمريكيون لازالوا مترددين. عندئذ، أوصت إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية للمفاعل النووي، لكن الأمريكيين رفضوا. وبحسب مصادر أمريكية موثوقة، قرر البيت الأبيض في النهاية أن “الولايات المتحدة تفضل عدم الشروع في توجيه ضربة عسكرية”. حاولت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع روبرت جيمس. حاولا إقناع إسرائيل “بمواجهة السوريين لكن بدون هجوم”. وأعرب الرئيس ومستشاره للأمن القومي ستيف هادلي عن تأييد مبدئي للعملية العسكرية، لكنهما طلبا تأجيل العملية للقيام بمزيد من التحريات.
خلال شهر يوليو 2007، أجرت إسرائيل دوريات استطلاع جوية فوق الموقع، وعن طريق القمر الصناعي “أفق 7” التقطت صوراً للأنشطة الجارية بالمفاعل. تم تحليل تلك الصور بواسطة خبراء أمريكيين وإسرائيليين، والأخيرون أقروا بأن سوريا تبني مفاعلاَ نووياً وفقاً لنموذج المفاعل النووي الكوري الشمالي في يونج بيون. في الواقع، توصل الخبراء إلى نتيجة مفادها أن المفاعلين(الكوري والسوري) متشابان. وأظهرت أيضاً مقاطع الفيديو التي نقلتها إسرائيل للأمريكيين أوجه الشبه الكاملة بين مكونات المفاعلين، بما في ذلك التخطيط لوضع عصيان اليورانيوم في التجاويف الموجودة في قلب المفاعل. كما أظهرت تسجيلات الفيديو أيضاً أوجه بعض الأشخاص ذوي الملامح الكورية يعملون في المفاعل. وفيما يتوازى مع ذلك، وفرت وحدة المخابرات 8200 نصوص مكالمات جرت بين علماء سوريين ونظرائهم من كوريا الشمالية.
نقلت هذه المادة أيضاً إلى واشنطن، لكن الأمريكيين حتى ذلك الحين كانوا يريدون أدلة دامغة تؤكد أن المبنى مخصص للاستخدام كمفاعل نووي وأن المكان به بالفعل مواد نووية. وبناء عليه، قررت إسرائيل توفير هذه المعلومات أيضاً.
في تلك الأثناء، في أغسطس 2007، عثر على “الدليل القاطع”، وهو دليل دراماتيكي بدد كل الشكوك وأثبت أن السوريين يبنون بالفعل مفاعلاً نووياً في دير الزور. أحضر هذا الدليل جنود وحدة هيئة الأركان الخاصة، الذين خرجوا في إحدى ليالي أغسطس، على متن مروحيتين، إلى منطقة المفاعل. ثمة أحد لم يشعر بهم عندما هبطوا بالقرب من دير الزور. وعن طريق ماكينات ثقيلة أخذوا بعض العينات من الأرض التي كانت بها مادة مشعة.
كان هذا دليلاً قاطعاً على أن المكان يوجد فيه مواد نووية تم تخصيصها من أجل هدف واحد فقط.
نقلت المادة الجديدة على وجه السرعة إلى رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي ستيف هادلي، والذي تملكته حالة من الاستغراب الشديد، وسارع باستدعاء خيرة الخبراء من أجل استخلاص النتائج وتقديم تقرير حول ذلك للرئيس بوش خلال الجلسة الصباحية اليومية. بعد فحص الخبراء اقتنع هادلي بأن الأمر في غاية الجدية. أجرى هادلي مكالمة مطولة مع رئيسي شعبة الاستخبارات العسكرية والموساد، وفي أعقابها توصل إلى قرار قاطع بأن المفاعل السوري يمثل تهديداً حقيقياً. اقتنعت الولايات المتحدة أنه يجب تدمير المفاعل. ومنح الأمريكيون ملفهم حول دير الزور اسم “البوستان”.
بحسب صحيفة الـ “صنداي تايمز”، عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت اجتماعاً مع وزير الدفاع إيهود باراك ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني، والثلاثة- إضافة إلى رئيس الأجهزة الأمنية- ناقشوا الوقائع، والمعطيات، والتبعات المتوقعة لعملية عسكرية ضد سوريا. وبعد ساعات من المناقشات قرروا تدمير المفاعل السوري. كما أبلغ رئيس الوزراء زعيم المعارضة، بيبي نتنياهو، بتفاصيل العملية.
في 4 سبتمبر، بحسب صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية، تسلل إلى دير الزور مقاتلو وحدة شلدج لتحديد الأهداف للطائرات بأشعة الليزر.
التاريخ 5 سبتمبر. الساعة 23:00. انطلقت عشرات الطائرات من قاعدة سلاح الجو في رمات دافيد ناحية البحر المتوسط. وبعد ثلاثين دقيقة من ذلك تلقت الطائرات أمراً بالعودة إلى قواعدها. سبع مقاتلات أخريات من طراز إف 15، تلقت أمراً بالطيران في اتجاه الحدود السورية- التركية، ومن هناك اخترقوا المجال الجوي السوري متجهين نحو المفاعل النووي. وفي الطريق قصفوا أجهزة الرادار للتشويش على قدرة السوريين على تسجيل اختراق الطائرات. وخلال دقائق معدودة وصلت الطائرات إلى منطقة دير الزور، ومن مسافة محسوبة أطلقت صواريخ جو – أرض نحو المفاعل، وكذلك قنابل زنة نصف طن، والتي أصابت الهدف بدقة شديدة.
وخلال دقائق تم تدمير المفاعل النووي السوري، والذي كان من شأنه- فيما بعد- إنتاج قنابل نووية تشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل.
توجس المسئولين في إسرائيل خيفة من الرد السوري على تدمير المفاعل النووي. ولذلك سارع رئيس الوزراء إيهود أولمرت بالاتصال برئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، وطلب منه نقل رسالة للرئيس الأسد مفادها أن إسرائيل لا تنوي الحرب.
في اليوم التالي للقصف وقعت دمشق في ورطة كبيرة. في البداية رد السوريون بصمت تام، ولم يعلنوا عن الهجوم إلا في الساعة الثالثة عصراً، بواسطة الوكالة العربية السورية للأنباء “سانا”. وبحسب التقرير، اخترقت المجال الجوي السوري مقاتلات إسرائيلية في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. “قواتنا الجوية أجبرتهم على الانسحاب بعد قيام العدو بإطلاق قذائف على منطقة صحراوية. لا توجد خسائر مادية ولا خسائر في الأرواح”.
بعد القصف الجوي الإسرائيلي بدأت وسائل الإعلام العالمية في تناول السؤال: كيف نجح الموساد في اختراق المشروع السوري. فقد ذكرت شبكة التليفزيون الأمريكية ABC أن “إسرائيل كان لديها عميل داخل المفاعل السوري أو أن الموساد نجح في تجنيد أحد العاملين بالمفاعل قام بتسريب صور حديثة للموقع”.
في شهر أبريل 2008، بعد قرابة سبعة أشهر من ضرب المفاعل السوري، أعلنت الإدارة الأمريكية أن المنشآة التي تعرضت للقصف في سوريا كانت مفاعلاً نووياً تم بنائه بمساعدة كوريا الشمالية، ولم يكن الهدف من بنائه “أغراض سلمية”. رؤساء الأجهزة الاستخبارية عرضوا على أعضاء الكونجرس شاشة عرض شملت صور تؤكد أوجه الشبه الكبيرة بين المنشآة السورية والمفاعل النووي الكوري الشمالي بمنطقة يونج بيون، وكذا صور أقمار صناعية ورسومات للمفاعل النووي. كما شاهد أعضاء الكونجرس شيء آخر مثير، حسبما جاء في التقارير من واشنطن: “لقد شاهدوا شريط فيديو صوره عميل للموساد الإسرائيلي من داخل المفاعل السوري”.
نجحت إسرائيل في الالتزام بالصمت على مدار أسبوعين، وخلالهما رفضت الاعتراف بأنها هي التي ضربت المفاعل النووي، لكن في تلك الأثناء تمت استضافة بيبي نتنياهو، زعيم المعارضة في حينه، في استوديو برنامج “مباط لحداشوت”، ورداً على السؤال الذي طرحه عليه المذيع حاييم يافين قال نتنياهو: “عندما تعمل الحكومة من أجل أمن إسرائيل، أقدم لها كل الدعم. وفي هذا المقام أيضاً كنت شريكاً من اللحظة الأولى وقدمت لها كل الدعم”.
وبدورهم، عقب رجال أولمرت على كلام نتنياهو بغضب شديد: “إننا مصدومون للغاية من هذا الرجل، فهو عديم المسئولية والفكر، هذا هو بيبي الحقيقي.!”.
الطلقات الأخيرة في تفجير المفاعل النووي السوري أحدثت أصداء مدوية بعد تأخير دام إحدى عشر شهراً في 2 أغسطس 2008.
في عشية ذلك اليوم أقيمت مآدبة فاخرة بشرفة شقة مصيف في منتجع الرمال الذهبية شمالي مدينة طرطوس في سوريا. شقة المصيف هذه كانت ملاصقة لشاطئ البحر وتطل على منظر طبيعي خلاب. شرفة الشقة تلامس مياه البحر مما جعلها متنفس للهرب من الرطوبة العالية في شهر أغسطس. الرياح الليلية نقت الأجواء الملتهبة في منتصف فصل الصيف. الضيوف كانوا من الأصدقاء المقربين لصاحب البيت، الجنرال محمد سليمان، الذي سافر إلى المنتجع في إجازة نهاية الأسبوع.
كان سليمان كبير مساعدي الرئيس الأسد للشئون العسكرية والأمنية، وهو المسئول عن إقامة المفاعل وتأمينه. بين أوساط كبار رجال الحكم في سوريا وصفوه برجل الظل في نظام الأسد. وكان مكتبه في القصر الرئاسي يقع إلى جانب مكتب الرئيس، والقليلون فقط كانوا يعرفونه في سوريا وخارجها.
لم يذكر اسمه في وسائل الإعلام، لكن الموساد ووكالات المخابرات الغربية عرفوه وعرفوا أعماله جيداً. محمد سليمان (47 سنة) كان من خريجي كلية الهندسة جامعة دمشق، حيث ربطته هناك صداقة مع باسل الأسد، ابن الرئيس حافظ الأسد والشقيق الأكبر لبشار. بعد وفاة باسل في حادث طريق، حرص حافظ الأسد على تقريب سليمان منه ومن وريثه بشار. في عام 2000 توفي حافظ الأسد واختير ابنه بشار رئيساً لسوريا. ومع صعوده إلى سدة الحكم، اعتبر الرئيس الشاب سليمان كاتماً لأسراره ومستشاره المقرب.
بمرور السنين اكتسب سليمان نفوذاً كبيراً، وألقى الرئيس الأسد على عاتقه مجموعة من المناصب والمهمات الخطيرة في مجالات أمنية حساسة. وهكذا، أصبح سليمان اخطابوطاً متعدد الأذرع. كانت يده في كل شيء. كان سليمان “رجل الأسد” في الجيش وفي أجهزة مخابرات بلاده، ولم يكن هناك سر في المؤسسة العسكرية وأجهزة المخابرات يخفى عليه. وكان سليمان أيضاً رجل الاتصال بين الرئيس الأسد وبين الجيش والمخابرات الإيرانية، فيما يتعلق بالأنشطة السرية التي نفذتها الدولتان بالتعاون مع منظمات إرهابية في المنطقة. وكان أيضاً المصدر والمورد لمنظمة حزب الله. وفي أعقاب انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان توطدت العلاقات بين سليمان وحزب الله، وتولى الرجل نقل السلاح للمنظمة، مع التأكيد على الصواريخ طويلة المدى. إحدى هذه الصواريخ التي أطلقت في حرب لبنان الثانية أصابت منطقة فرز السكة الحديد في حيفا وقتلت ثمانية من العاملين في المكان. ومؤخراً نقل سليمان لحزب الله صواريخ مضادة للطائرات سورية الصنع، الأمر الذي هدد السيطرة الجوية لإسرائيل على سماء لبنان.
فضلاً عن كل هذا كان لسليمان مهمة خاصة: فقد كان عضواً باللجنة السورية للبحوث، التي اهتمت بتطوير الصواريخ، وتطوير السلاح الكيميائي والبيولوجي، والبحث والتطوير النووي. وبحكم منصبه هذا، وكرجل الاتصال مع كوريا الشمالية، حدد سليمان ونسق عمليات نقل أجزاء المفاعل لسوريا، وكذا كان المسئول عن الترتيبات الأمنية للخبراء والفنيين الكوريين الشماليين الذين عملوا على إقامة المفاعل.
كان قصف المفاعل السوري بالنسبة له ضربة شديدة، لكنها لم تكن القاضية. بعدما أفاق من الصدمة الأولى، بدأ في التخطيط لبناء مفاعل بديل، والذي لم يحدد مكانه بعد. كانت مهمة سليمان أكثر صعوبة وخطورة هذه المرة، حيث عرف أنه بات تحت مجهر أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية.
قبل خوضه الجولة التالية لأنشطته السرية، أخذ سليمان أجازة لعدة أيام، وسافر إلى شقة المصيف خاصته في منتجع الرمال الذهبية. الترفيه والوجبات الشهية مع الأصدقاء كانت دواء موصوف للتوتر الشديد الذي كان يعاني منه.
من مجلسه بجوار المنضدة كان سليمان ينظر إلى الأمواج التي تسير بتكاسل شديد نحو الشاطئ. لكنه لم يرى، على بعد نحو 150 متراً من الشرفة، شخصان كانا ينتظران دون أي حركة في المياه السوداء. وصل هذان الشخصان من مسافة بعيدة، عبر البحر، على متن سفينة أنزلتهما على بعد حوالي اثنين كيلومتراً من منزل سليمان. ومن هناك شق الشخصان طريقهما غوصاً حتى اقتربا من بيته. الاثنان كانا قناصين محترفين لهما باع طويل ويتمتعان بهدوء أعصاب نادر. حمل القناصان سلاحهما في أكياس محكمة الغلق ومضادة للماء. وبمجرد وصولهما إلى الشاطئ رصدا على الفور بيت سليمان. المعلومات التي تلقياها من جهاز المخابرات ببلادهما كانت دقيقة. حددا المبنى والشرفة، وتفحصا الجالسين على الطاولة، وركزا على هدفهما: الجنرال الجالس أمامهما بين ضيوفه.
في حوالي الساعة التاسعة مساء عاد القناصان وفحصا مجهري البنادق والمدى. شاهدا سليمان، الذي كان يجلس على كرسي بوسط المنضدة ومن حوله أصدقائه. كان هناك زحام حول المنضدة، الأمر الذي أجبر القناصين على تدقيق المجهر والتركيز على رأس صاحب البيت. واصل الاثنان الاختباء في المياه.
عندئذ أعطيت لهما الإشارة. خرج الاثنان من المياه إلى الشاطئ، واقتربا قليلاً نحو البيت، ووجها بنادقهما وأطلقا النار دفعة واحدة على سليمان. الإصابة كانت قاتلة. تراجعت رأسه في البداية إلى الخلف ثم ارتدت إلى الأمام على المنضدة. حتى الآن لم يفهم الموجودين ماذا حدث، فهم لم يسمعوا أي شيء، لأن بنادق القناصة كانت مزودة بكواتم صوت. عندما لاحظ الضيوف الدم الذي سال من رأس سليمان أدركوا أنه تعرض لإطلاق نار. حالة من الهلع الشديد أصابت الجالسين على المنضدة، مما أتاح للقناصين الهرب من المكان عبر طريق الهروب المخطط سلفاً.
وقد نشرت صحيفة الصنداي تايمز البريطانية رواية مختلفة قليلاً، والتي بموجبها كان القناصان من أفراد وحدة البحرية رقم 13، واللذان وصلا إلى طرطوس على متن ياخت فاخر يمتلكه رجل أعمال إسرائيلي. نفذا مهمتهما واختفيا.
أصيبت المؤسسات الرسمية السورية بصدمة كبيرة. في البداية التزمت الحكومة الصمت ولم تتعرض إطلاقاً للتقارير بشأن اغتيال سليمان. في الواقع، كان الحرج الذي أصاب دمشق كبيراً. كيف وصل أفراد طاقم العمليات إلى شمال سوريا، وتحديداً إلى طرطوس، التي تبعد عن دمشق بنحو 220 كيلومتراً.؟ وكيف هربوا من هناك.؟ ألم يعد هناك أي مكان في سوريا كلها تستطيع فيه قيادات النظام الشعور بالأمان.؟.
بعد بضعة أيام نشر خبر ساخر فحواه أن “سوريا تجري تحقيق لضبط المسئولين عن الجريمة”. لكن الصحافة العربية تناولت القضية على نطاق أوسع منذ اليوم الأول، وطرحت تكهنات وتحليلات بشأن هوية منفذي عملية الاغتيال. وركزت الصحف على من كان لديهم مصلحة لاغتيال الجنرال سليمان، وبالتالي سارعوا بتوجيه أصابع الاتهام إلى إسرائيل. وزعموا أن إسرائيل نفذت عملية الاغتيال هذه بسبب ضلوع سليمان في إقامة المفاعل النووي بدير الزور.
وبينما تبارت وسائل الإعلام العربية في نشر العناوين وتمجيد رأس الجنرال سليمان، كان رد فعل أجهزة المخابرات الغربية مختلفاً تماماً. في عواصم العالم الحر ثمة أحد لم يذرف دمعة واحدة على مقتل الجنرال السابق لأوانه.

بقلم محمود صبري     نسيم مشعل 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *