أخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة و فن » المغرب زمان الرحالات الفرنسيات نموذج من خلال كتاب: « … على طول امتداد المسالك المُغربية ». . الجزء الثاني
Visitez Example.com

المغرب زمان الرحالات الفرنسيات نموذج من خلال كتاب: « … على طول امتداد المسالك المُغربية ». . الجزء الثاني

BOUKHAR

نقدم لقرائنا الأعزاء الجزء الثاني من ترجمة كتاب ” المغرب من زمن الرحالات الفرنسيات”، و التي قام بها الأستاذ محمد بوخار، مشكورا، لتقريب القراء من حقبة زمنية، ما زالت مطمورة، و تحتاج من المختصصين و خاصة في علم السوسيولوجيا، الاهتمام بهذا الثرات، حيث يقدم الكتاب معلومات عزيرة عن النمط المعيشي و الحياتي و الثقافي لمجموعة من القبائل، اللائي زارتهن الرحلات الفرنسيات في زمن التحضير للاستعمار الكولنيالي.

المغرب زمان الرحالات الفرنسيات

نموذج من خلال كتاب: « … على طول امتداد المسالك المُغربية».

21مارس.

 انطلقنا على الساعة السابعة والنصف صباحا، يخفرنا فارس ومخزني، ولازال الرجل العجوز ذو اللحية البيضاء الذي كان يتبع ركبنا منذ أمس، والذي قضى ليلته قرب مخيمنا، ينتظر كي يسير على خطانا مرة أخرى، ربما للاحتماء بنا أو ربما لسبب آخر لم نكن نعرفه .عند خروجنا من سطات كنا نسير في أرض متربة ترتفع فيها الطريق شيئا فشيئا، إلى أن انحرفت نحو اليمين ، فاختفت معالم  المدينة من ورائنا. عند « بئر مسورة »  وعلى طول الطريق، كان بعض الأهالي يغسلون جلابيبهم وذلك بضربها بأرجلهم وهم يصدرون أصواتا تتناغم مع إيقاع الضرب. كانت مناسبة ذلك، الاستعداد للاحتفال بعيد المولد النبوي الذي كان على الأبواب.  على اليسار كانت تظهر لنا تموجات التلال، وفي الأفق يبدو « سيدي علي بنأحمد » وكانت رؤوس جبال صخور الرحامنة تارة تظهر وتارة تختفي. عند اقترابنا من قبة الولي سيدي بركة، انعطفنا نحو اليمين، كانت البلاد  قليلة الزرع وسنابل الشعير لازالت مخضرة، طرقاتها ومسالكها خالية من البشر، لا تكاد تصادف راجلا أو راكبا، مناسبة عيد المولد جعلت الناس يلزمون أسرهم وعائلاتهم.

عند منتصف النهار تناولنا غذاءنا قرب قبة الولي سيدي محمد بن رحال، ثم استأنفنا مسيرنا في الواحدة والنصف بعد الزوال، كان الجو حارا، وكنا نسير سيرا حثيثا في أرض كالسهوب الجافة حيث لم يتبق من العشب إلا القليل، تحاول بعض القطعان من الغنم أن تقتات على ما تبقى منه،  لا يقطع رتابة ووحشة هذا المكان إلا بعض  النخيلات القصيرة المتناثرة هنا وهناك . بعد مدة بدأت تتغير معالم المكان، هذا الجبل الأخضر يمتد على اليمين، وتلك صخور الرحامنة  تنتصب في الأفق، ومن وراءها تلوح قمم الأطلس مكللة بالثلوج، وهذه طريقنا بدأت تنخفض وتعلو تارة، تتلوى وتستقيم بين الوهاد والشعاب تارة أخرى، إلى أن أصبحنا نسير في منحدر من الأرض امتد لمسافة طويلة، لم ينته إلا بعد وصولنا عند الساعة الثالثة والنصف بعد الزوال إلى مشرع بن عبو. آوينا إلى مكان يشرف على نهر أم الربيع، فأقمنا فيه مخيما يحيط به خندق صغير، وفي الأسفل على ضفة النهر، كان يترائى لنا بعض الجنود وهم يتجولون بين معدات موقع عسكري دفاعي كانوا قد أعدوه  بين نخلتين كبيرتين. عند المساء كانت الحرارة قد انخفضت، وأمسى الجو أكثر رطوبة وانتعاشا وانتشرت في المخيم حركة من الحيوية والنشاط والحميمية، فدعانا الملازم  de Féraudyلمقاسمته وجبة عشائه صحبة العقيد  Godlewski  تحت خيمة ميدانية.  

ر1
صورة وردت في الكتاب

                                              22 مارس.

 على الساعة السابعة والنصف صباحا كانت السماء تبدو صافية الأديم، وكنا نحس  أن اليوم سيكون حارا كسابقه. غادرنا المخيم وعبرنا النهر، ومشينا صعودا في أرض رطبة محمرة إلى أن بلغ بنا المسير محاذاة “مولاي المجيب” وهو دوارأغلبية سكانه من أصول جزائرية. كنا قد تركنا الشاوية وراءنا وانفتح أمامنا فضاء من التضاريس المختلفة، تهيمن عليه كثير من التلال والأودية والهضاب، وانتابنا مزيج من الشعور بالفرح والرهبة أمام هذا المجهول الذي ينفتح أمامنا، بحيث لم يكن يخفف منه إلا صورة هذا العجوز الوقور ذي اللحية البيضاء والذي لا زال يسير في أثر ركبنا دون كلل أو عياء، فكأنما بمثابرته وأناته منحنا القدرة على الصبر والمجاهدة.دخلنا صخور الرحامنة وكان أول دوار نصادفه عن يميننا هو دوار أولاد بن علي« أولاد يعلى ». جرى الأطفال والنساء نحونا ليروا النصارى حسب تعبيرهم يمرون بمحاذاة دوارهم. عند الساعة الحادية عشرة والنصف صادفنا في طريقنا ثلاثة أكوام من الحجر أو ما يسميه أهل البلد “كركور” وهم يضعونها عند المكان الذي يجب الولوج منه في المناطق الجبلية أو الوعرة خوفا من أن يتيه المسافرون الغرباء بين الشعاب والوديان . بعد تجاوز معبر صغير أصبح بإمكاننا أن نطل على سوق الأربعاء.على اليسار تبرز الصخور ناتئة مهيبة مكسوة بزرقة خفيفة تمتد طولا من الشمال إلى الجنوب، وتنوء بكلكلها على سهل صغير تبرزفيه ثلاث قباب بيضاء تحفها نخلتان. توقفنا من أجل تناول وجبة الغذاءعلى الساعة الثانية عشرة والربع زوالا قرب بئر. وكان الفضوليون من أهل البلد يحاولون الاقتراب منا شيئا فشيئا للتطلع إلى سحناتنا وألبستنا ومتاعنا. بعض النسوة كن منهمكات في جلب الماء من قاع بئر، وكنيستعملن لذلك دلاء من جلد الماعز.أما الأطفال فقد جلسوا القرفصاء حولنا دون أن يقتربوا منا كثيرا. كانوا يتحدثون بينهم بهمس وبعضهم كانوا يتنازعون علبة سردين فارغة. لم يطل بنا المقام كثيرا، وغادرنا المكان على الساعة الواحدة وعشر دقائق، نشق طريقنا عبر ساحة السوق وسط اندهاش أهل البلد، و صياح البعض منهم في وجوهنا. لم نكترث لذلك وتابعنا رحلتنا وسط حقول ضعيفة من الشعير التي ألهبتها حرارة الشمس طوال أيام عديدة من قساوة الجو وجفاف المناخ، إلى أن وجدنا في طريقنا قبة ولي صالح. عندها أوقف صديقنا العجوز الذي ظل مرافقا لرحلتنا حماره، وجعل القبة في قبلته ثم بدأ في التوسل والدعاء مطأطئا رأسه في خشوع  باسطا كفيه عند مستوى سرته في ضروع يشكر ربه على تمكنه من الرجوع إلى بلده سالما رغم الرصاصات السبع التي أصابت جسده . وبينما نحن كذلك، إذ بفارس على صهوة جواده يندفع نحونا بتهور وهو يشيل بندقيته نحو السماء ويسألنا: هل وصل الفرنسيون؟ فارس آخر حيانا وتوجه نحو الشيخ يقبل طيلسانه ثم أقبل طفل يجري، وبدأ يقبل يدي جده فضمه هذا الأخير إليه وقبله على جبينه.

في الساعة الثالثة والنصف بعد الزوال، وصلنا قرب قبة، كنا قد أتينا على نهاية المرحلة التي يجب أن نقطعها في ذلك اليوم. استقبلنا محافظ قبة ضريح سيدي عمارة بن الحاج، السي محمد بن الطاهر البهايلي وأخوه  وأرشدانا إلى حائط لنسند عليه بناء خيامنا وكان هذا الحائط يضم في وسطه عددا من “النوايل” التي يستقر فيها عيالهما وأسرتهما. وهو ما تبقى من دارهما ﴿…﴾ ولذلك اعتذرا لنا لعدم تمكنهما من إيوائنا في مكان يلائم ضيافتنا.

 وتعبيرا منه على حسن الترحيب بنا، جاء السي محمد بخروف سمين، وقبل أن أتمكن من دخول الخيمة بادر إلى نحره عند قدمي. لم يبال بالدم وقد لطخ جبته، وإنما أمر أحد الخدام بحمل الخروف إلى حيث سيتم سلخه وتهييئه للطبخ. بعد برهة جاء أخوه ليأخذني إلى داخل الحائط حيث توجد” النوايل” أدخلني إلى إحداها وقدم لي شقيقته. كانت ترتدي قميصا طويلا ” تشامير”مسبلا، عليه رسومات بنفسجية فوق قفطان من القطن الأصفر. وقد غطت رأسها بوشاح يحف وجهها، ولفت عليه عمامة من “الموسلين” الأبيض المزين بأشكال حمراء. كانت بشرتها قمحية ضاربة إلى السمرة، تظهر تقاسيم وجهها الدقيقة متناغمة مع رقة حاجبيها ورموشها السوداء، ومتجانسة مع شكل الوشم الذي يتوسط جبينها وذقنها. زينت عنقها بعقد من اللؤلؤ المنضود، وعلقت على جانبي وشاح رأسها قرطين كبيرين في حجم سوار مطعمين بالخرز وزجاج الحلي. كانت سعيدة باستقبالي فرحة بهذه المناسبة التي تشاهد فيها امرأة أوربية لأول مرة في حياتها.

وكانت هناك أيضا امرأة أخرى أصغر سنا تلتحف ثوبا أبيض من” الموسلين” معقودا عند الكتفين “بخلالة “من الفضة تشبه نفس الحلي الذي تستعمله نساء القبايل الجزائريات ولنفس الغرض. كانت تضع على رأسها غطاء من الحرير الأخضر، وتتدلى على جانبي خديها  ظفيرتان علقت أطرافهما الخلفية إلى الوراء كما تعلق جوانب الستارة. كان أنفها طويلا ودقيقا، مكتنزة الشفتين، مصطفة الأسنان ناصعة الثنايا ،جسدها بني دافئ ممرد في لون البرونز كتحفة فنية رائعة، يخصره عنق طويل ورقيق تحفه “مدجة” من العقيق الأزرق المنمق بأشكال بيضاء،أما أصابع كفيها فكانت مزينة برسوم على هيـأة خواتم. التحقت بنا خمس أو ست نساء أخريات وبدأن يتأملنني، كانت بينهن أم السي محمد، امرأة عجوز سقطت أسنانها وكثرت تجاعيد وجهها. اثنتان منهن كانت جميلتين لكن لباسهن المتهالك وما كانتا تتزينان به من أصداف المحار وقطع المرجان الغير المصقول، يدل على أنهما خادمتان تعيشان تحت ظل هذه الأسرة التي يعولها السي محمد. ركضت نحونا طفلة صغيرة تلبس جلبابا من القطن الأزرق، كانت حليقة الرأس إلا من ظفيرتين تتدليان مستقيمتين من ” قطايتين” ، ثم تلتها امرأة تحمل بين ذراعيها طفلا صغيرا هو ابن مضيفنا السي محمد. أعطيت الصغيرة عقدا ذهبيا زاد من فرحتها، ووزعت على الباقيات قطعا من البيسكويت. كانت كل النسوة جالسات حولي يتأملن ويتلمسن ملابسي وحذائي في اندهاش، ويسألنني كيف أستطيع المشي بهذه الملابس وهذا الحذاء؟ وبالمقابل يظهرن لي أقدامهن الحافيات، ويشرن إلى نعالهن التي خلعنها عند مدخل “النوالة”  كأنهن يقلن لي لماذا لا تنتعلين “البلغة” مثلنا؟  فأفهمتهن أنها ملابس خاصة بركوب الخيول لأنني في سفر إلى مراكش.

انفضت باقي النسوة وبقيت وحيدة مع الضرتين الجميلتين. كانت كبراهما تحدق في عقد العنبر الذي في عنقي كأنما تتمناه، لم أستطع أن أحرمها منه، وما كدت أهبه لها وأضعه في جيدها حتى انهالت علي بحركات شديدة تعبر عن حبها لي وامتنانها على حسن صنيعي معها. أما بالنسبة للصغرى فلم أجد بدا بوعدها بعقد آخر في مناسبة أخرى. ونزولا عند رغبتهما كان علي أن أكشف لهما عن لون و ملمس شعري، وكان علي أن أبين نوع المادة التي صنعت منها قبعة  “الباناما”  التي كنت أضعها على رأسي وعندما لم أكن أفهم معنى جملة مما تقولانه لي، كانتا تصرخان بها في أذني وتربتان  بخفة على يدي.

 انصرفت الكبرى لتهييء الطعام، ولمحت نصف خروف سيكون وجبة للعشاء. طلبت مني خدوج الطفلة الصغيرة أن أعطيها بسكويتا، فوجدتها فرصة سانحة لأقف وأنصرف لأريح ساقي مما أصابهما من خدر وتقلصات بسبب طول مدة جلوسي قرفصاء. ولم يمض ربع ساعة على التماسي قسطا من الراحة داخل الخيمة، حتى دخلت علي خدوج فأخذت بيدي  وقادتني إلى” النوالة جلست على ركبتي، وألحت على عدم مفارقتي لها وهي تضحك ملء فمها.

ر2
صورة وردت في الكتاب

 عادت الكبرى من الضرتين وانضمت إلينا، وكان علي أن أنزل عند رغبتما في لمس شعري الأشقر وتأمل لون عيني الأزرق. ثم أرادتا أن تطلعا على سائر جسدي لكنني رفضت. ثم نزعت حذائي وشرعت اشرح لهن طريقة حزم خيوطه، وطريقة لبس سروال” الليجنس”. ولم يثر استغرابهن شيء آخر أكثر من حزام مطاطي كان مخيطا بمعطفي، كن يجذبنه الواحدة تلو الأخرى، ثم يطلقنه فيعلو صياحهن وضحكهن لذلك. بعد ذلك جاء دور الأزرار التي تغلق بالضغط، وتوالت أسئلتهن: ألا يمكن أن أتجمد من البرد ليلا بعد أن أخلع هذه الملابس وأنام بقميص خفيف؟ !.  وهل أنا التي قمت بخياطتها …؟ كن معجبات بجودة الثوب، ولذلك رحن يقلبنه مرارا ويجربن متانته بجذبات قوية متتالية. لم يستوعبن أن لون بشرة وجهي كان بفعل الماكياج،  وكان  ظهور زرقة شرايين يدي تحت بشرتي البيضاء بالنسبة إليهن دليلا على أنني صفراء بفعل نقص الدم في جسدي، ولذلك كن يظهرن لي بكثير من الفخر  والارتياح سيقانهن البنية المليئة بالدم حسب ظنهن.

بدأ الليل يرخي سدوله حينما التحقت بنا امرأتان صديقتان للأسرة كانت إحداهما ذات سحنة باسكية، بشرة بيضاء وعينان متقدتان. اجتمعنا كلنا في « نوالة » مفروشة بما هو ضروري من زرابي وحصر، وفي ركن منها أغطية بالية مطوية بعضها فوق بعض على صندوق. وفانوس لايكاد ضوءه ينير أرجاء المكان. ناولنني وعاء حليب ثم طفن به بعد ذلك على الجميع. وفي ركن عند المدخل، جثت إحدى النسوة على ركبتيها تمسك  كيرا صغيرا ” رابوز” وتنفخ بكل جهدها على مجمر من طين  وضعت فوقه غلاية  مقراج ” فيه ماء ليغلي وبيض ليسلق

 تقرب إلي الكسكس ولحم الخروف في إناء من طين، وعلى ما يبدو كان الاهتمام بالنظافة قليلا إلا أن الضوء الخافت للفانوس جنبني رؤية كثير من الأشياء.أما خدوج فقد كانت تلعق أصابعها مما علق بها من طعام ثم تضعها في إنائي محاولة إعادة ما  مش من عظم، بعد ذلك تتابع أكلها بجمع الكسكس في إحدى كفيها وضغطه ضغطا خفيفا لتشكله على هيأة كرة صغيرة كما يفعل الرجال عادة، وبعد أن تأكل كفايتها تتجشأ .كان هذا هو الطبق الأول، أما الطبق الثاني فكان من لحم عجل أظن أنه طبخ في الماء. قامت عائشة بإعداد شاي من نفس الغلاية التي سلق فيها البيض قبل قليل. فشربت منه خمسة كؤوس وكانت الأخريات يرشفنه بشفتين مزمومتين فيسمع لذلك صوت  ينم عن متعتهن بهذا المشروب. لم يكن يقدمن لي الشاي في نفس الكأس الذي أشرب منه، بل كان ذلك يتم كيفما اتفق، لكن هذا لم يكن يهمني ما دام المشروب يدفئ جسدي في هاته الليلة الباردة. انزوت الأم العجوز في ركن معتم من« النوالة » وعلى زربية صغيرة، جثت على ركبتيها، وبعد ذلك قامت تؤدي صلاتها وهي تتلو وتدعو بصوت خافت يتخلل ذلك ركوع وسجود، وما إن تنهي عددا من الركعات حتى تتوقف لتشرب الشاي أو تشارك في الحديث ثم تستأنف صلاة أخرى. دلف علينا محمد وشرب الشاي معنا، أخبرته النسوة بأنني أتكلم بعض الجمل العربية، سمع مني بعض الكلمات، لكنه لم يعر ذلك اهتماما. قضيت أربع ساعات عند مضيفاتي وبدأت أحس بالتعب وبالصداع ينتاب رأسي، وشعرت أنني محتاجة إلى النوم والراحة سيما وأنها التاسعة ليلا وقد بدأ جاك يقلق على طول غيابي، حان وقت الانصراف. حملت بضع بيضات أصرت مضيفاتي على تقديمها لي من أجل التزود بها في الطريق كما يقلن، شكرتهن ثم ودعنني وذلك وبتقبيل أيديهن بعد مصافحتي. جاء السي محمد ليتناول عشاءه في الخيمة، وشرع يحكي لنا أشجانه ومآسيه، وباتت الكلاب طول الليل تنبح وتتهارش وتتسكع حول الخيمة، أو تشرب من الماء القليل الذي نوفره في سطل لحاجتنا، و بات بالقرب منا خمسة حراس جلسوا على حصير وأسندوا ظهورهم إلى الحائط ، تارة يثرثون وتارة يغنون كي يغالبوا النعاس. كما باتت الدواب المربوطة أمام خيامنا تصهل وتثير الصخب.

 ر3

23 مارس.

لم يكد ضوء اليوم الجديد يتسلل عبر خيوط قماش الخيمة، حتى قام أحد أهل البلد يؤذن لصلاة الصبح بأعلى ما أمكنه من جهد. أعجبني صوته الجميل لكن حدته أذهبت عني النوم ! أقبل السي محمد ليلقي علينا تحية الصباح، كان مرفوقا بخدوج التي مسكتني من يدي، وتوجهت بي إلى «الحوش» حيث توجد النوايل وحيث تحلقت حولي النساء يودعنني، ويطلبن مني أن أعود عبر سيدي البهيليل لأزورهن مرة أخرى عند عودتي من مراكش، وبعدها رجعت إلى المخيم. وفي انتظار ساعة استئناف الرحيل، جلست أتأمل شاة كانت قد وضعت مولودها في تلك الليلة، كان الحمل ملتصقا بأمه ليأخذ بجانبها قسطا من دفء الشمس، وكان هناك كلب يحاول اﻻقتراب منه، لكن اﻷم  وبانحناءة من رأسها تجعلته يتراجع ويببتعد.

عند الساعة السابعة والنصف غادرنا المكان، وكانت خدوج في منتهى اليأس، كانت تبكي، وكانت دموعها تبلل خديها ووجهها، وعدتها بأنني سأعود. حملها أبوها بين ذراعيه، جلس كل اﻷهالي ينظرون إلينا ونحن ننصرف، يرافقنا السي محمد أخ الشيخ إلى مراكش، وبعض الصبية يتبعوننا يلتمسون منا بعض النقود. كانت السماء صافية، وحرارة الجو بدأت ترتفع، رغم أن حرارة الليلة الماضية كانت متدنية وصلت حتى الصفر . كانت حقول الشعير جافة بفعل نذرة اﻷمطار. كانت  صخور ڴارة « وزرن » المنبسطة السطح تنتصب على يميننا، ونحن في منطقة رملية نسير في نوع من السهوب الجافة، وفي الجهة المقابلة لنا كانت ملامح اﻷطلس تخترق غبش الضباب . أصبحت الطريق كثيرة الحجر،  بحيث كانت بعضها تدخل بين سنابك البغال وحوافرها. وعلى يميننا كانت هناك « نزالة » محاطة بالصبار، كما كان هناك قطيع من الغنم يبحث عن قليل من المرعى في أرض رتيبة منبسطة ينتشرفيها حجر صغير أبيض محمز يشبه الرخام. على يميننا يوجد دوار« أوﻻد نايل الشياضمة». كان أهل هذا الدوار يرتدون ثيابا زاهية اﻷلوان، منهمكين في غسل ملا بسهم بضربها بأ جلهم وصب كثير من الماء عليها بين الفينة واﻷخرى، ويرددون في نفس الوقت أهجوزة تشبه الشكوى  بإيقاع رتيب. كانت جلاليبهم تجف تحت أشعة الشمس، وكانت الظفائر المتدلية من جانب من رؤوسهم تجعلهم يبدون كأشخاص متوحشين، وأصبحت سلسلة الجبيلات تظهر أمامنا اﻵن بشكل أكثر وضوحا.

 

إنها الساعة التاسعة صباحا، الشمس حارة ،وحقول الحرث أكثر انتشارا في هذا البلد، بين الفينة واﻷخرى كانت المزارب الجافة التي تحول عادة مياه اﻷمطار نحو الحقول تقطع الطريق. على اليمين «ابن جرير» وقطعان كثيرة من الغنم والماعز تتثير في وجوهنا كثيرا من الغبار وهي في طريقها نحو السوق ، وأصبح المسلك أكثر اتساعا. في الساعة الحادية عشرة كنا بمحاذاة « دوار الرڴيڴ »، بدأنا نقطع سهبا جافا، حيث كان هناك جملان يحملان الحطب تخالهما ﻷول وهلة شجيرتين تمشيان، من بعيد كانت ” نزالة العظم ” تبدو صغيرة كنقطة سوداء، وصلنا إليها عند الزوال، وتوقفنا لتناول وجبة الغذاء تحت الشجرة الوحيدة التي صادفناها خلال كل هذا الصباح، والتي لم تكن سوى سدرة قليلة اﻷوراق، كانت مصدر بهجة لنا بالرغم من شح ظلها. جاء بعض اﻷطفال والنسساء يركضون نحونا يعرضون علينا البيض واللبن المنزوع الدسم في قلال صغيرة، لم أستطع أن أشرب منه شيئا لما علق به من أوساخ وشعر الدواب، أما جاك واﻵخرون فقد شربا ما استطاعا دون أن يهمهم ذلك. كانت النساء يلبسن « الخنت » وهو ثوب أزرق مربوط عند الكتفين بصفيحة معدنية، ويتمنطقن بحبل يشد وسطهن، ويغطين رؤوسهن بمنديل كن يظفرن مع شعرهن خيوطا سوداء من الصوف تتدلى مع ظفائرهن، كما كن يزينن وجوههن بالوشم، فكن يظهرن على هيأة نساء البدو في جنوب الجزائر. يمتد أمام  أعيننا الآن سراب عجيب، كبحيرة زرقاء تحيط بها بعض الشجيرات، وحيثما وليت وجهك كان يوهمك بوجود برك عديدة تمتد الواحدة منها خمسين أو ستين مترا، كان الهواء حولنا حارا كأنه يغلي، فجلس السي محمد في ظل جواده.، وعند الواحدة والربع حملنا أمتعتنا على الدواب واسنأنفنا المسير لم يعد لدينا ماء منذ هذا الصباح، ولن نحصل عليه إﻻ عند وصولنا إلى المحطة المقبلة خلال هذا المساء. كان السراب كمن يسخر منا، إذ كان  يمنينا بالماء، و كلما دنونا منه كان ييبتعد عنا.، وكان هذا السراب وأعمدة الغبار التي يصعدها الهواء الحار واﻷرض العارية التي تمتد أمامنا توحي لنا بأننا في  صحراء من اﻷرض مقفرة. 

 

كان المكان الذي يحيط بنا يبعث اليأس والسأم، ﻻطير يطير، وﻻ نباتا يزهر، وﻻ مارة يعبرون. لقد أخذ التعب من الرجال ومن الدواب ، وبدأ اﻻرتخاء والنوم يغالب أجسادهم. كانيترائى لنا أن رؤوس   “الجبيلات ” تبتعد كلما اقتربنا منها. وأخيرا عند الساعة الخامسة مساء قليلا ومن جهة اليمين، وصلنا  «نزالة سيدي بوعثمان » وهي عبارة عن مجموعة من ” النوايل “، أقمنا خيامنا متجهة فتحاتها نحو  ” الدوار “. تجمع بعض السكان أمامنا جالسين في صمت، بدأ الليل يزحف، راحت قطعان اﻷغنام إلى حواظرها تثغو، طلع البدر جميلا يكسو ضياؤه التلال فتبدو أجل شموخا و” الدوار ” يظهر من تحتها أكثر تواضعا. بات اثنان من رجال الحراسةمستندين إلى خيامنا، ملتفين في برنسيهما، وقضيا الليل كله وهما يثرثران بدون انقطاع.

  

 

الباب الثالث

24 مارس.

استأنفنا رحلتنا على  الساعة السابعة والنصف صباحا، وكانت الريح الباردة التي تهب من أعالي الأطلس تجمد أطرافنا، سرنا عبر ممر كثير اﻷحجار، عبرنا خلاله لمرتين متتاليتين بطن واد جاف، ثم مررنا بمحاذاة ركام كبير من الحجارة ” كركور”  يدل المسافرين على المكان الذي ينبغي أن يسلكوه للخروج من بين مرتفعات  الجبيلات. فجأة وبعد أن تجاوزنا « قبة سيدي بوكريشة » ، ظهر أمامنا منظرﻻ ينسى…مراكش !

كان ركبنا يتقدم متهاديا عبر واحة النخيل والتي كان علينا أن نقطعها في زهاء ساعة من الزمن قبل أن نصل إلى أسوار المدينة، ثم بدت أمام عيوننا حاضرة مراكش جلية بهية، تتسامى في وسطها صومعة الكتبية نحو السماء كما يتسامى دعاء ضارع متبتل لربه، وخلفها كانت ثلوج اﻷطلس العتيد تلمع تحت وهج شمس الظهيرة. لم أتمالك مشاعري وأحاسيسي أمام هذا المشهد الجليل، وبقيت أرنو إليه، ينتابني إحساس بالبهجة واﻻرتياح بعد أن قطعت من أجله طريقا جذباء تحت هذه الشمس الحارقة ! أصبح رجالنا فجأة كالمجانين، يصرخون ويصيحون: “مدام كتبية ” ويحفزون البغال التي يركبونها على العدو يفعلون ذلك كما لو أنهم يمتطون خيوﻻ في ميدان التبوريدة. كان لزاما علينا أن نطلب منهم أن يقللوا من حماستهم واندفاعهم، وكنا نعرف أن مراكش هي بالفعل جنة بالنسبة إليهم، فهي مدينة المتع والملذات والحسناوات الراقصات ! أصبح الركب اﻵن  يمشي حثيثا في صمت والدواب تندفع أكثر فأكثر، وفوق المدينة كان الدخان الأبيض المتصاعد من فوهة المدافع يعلن  حلول عيد المولد، عيد احتفال المسلمين بذكرى ميلاد الرسول. »

 

محمد بوخار

نونبر 2012

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *