
المغرب زمان الرحالات الفرنسيات
الرحامنة نموذج من خلال كتاب: « … على طول امتداد المسالك المُغربية».
تقدم قصص رحلات النساء الفرنسيات اللواتي جبن أنحاء المغرب خلال فترة الحماية 1912 -1956 تأرجحا في الكتابة بين الأدب والتاريخ، وتنوعا في المقاربات والتصورات لبلد لازال يعتبر في نظر الكثير من الفرنسيين منغلقا على ذاته، وعدائيا في تصرفاته ومعاملاته . كما أن نوعية الكتابات التي أنتجت خلال هذه الرحلات تعتبر غير متجانسة، ولم تنل حظها من الدراسة والتحليل، وبقي أغلبها منسيا على الرفوف حتى وقتنا الراهن. فبينما كانت كتابة البعض منهن عبارة عن انطباعات منبهرة بمناظر الطبيعية وظروف الحياة الاجتماعية، كانت كتابة أخريات منهن تأريخا فعليا يجمع بين الملاحظات والمعلومات الدقيقة عن الحياة السياسية والاجتماعية والدينية والفنية للمغرب. ولذلك يمكن القول بأنه كانت لهؤلاء النساء نظرتهن الخاصة لبلد لازال في طور التحول، وبأن كتاباتهن تعتبر مصدرا أصيلا حول تاريخ هاته الفترة. كما يمكننا أن نشير إلى أنه بالرغم من أن الكثيرات منهن كن مرتبطات بالمشروع الاستعماري لبلدهن الذي يقدم فرنسا كدولة متحضرة، تسعى لجلب التمدن والرخاء لباقي الشعوب التي ترسف في التخلف والهمجية ;فقد كانت للبعض منهن مواقف مشرفة تنتقد بشدة التوسع الاستعماري وتستنكره.
لم يهتم المؤرخون والدارسون في فرنسا برحلات النساء الفرنسيات بشكل أكثر عمقا وتطورا إلا في وقت قريب، في حين كانت الأبحاث والدراسات في العالم الأنجلوفوني متعددة ومتنوعة، واستدعت طرقا متنوعة للفكر من أجل فهمها ودراستها .زيادة على ذلك فإن دراسة تاريخ الرحالات الفرنسيات قد تمت في المقام الأول من خلال اليوميات والرسائل والقليل جدا من خلال كتب الرحلات المطبوعة.
لقد كانت الرحلات التي تقوم بها هاته النسوة تعتبر مغامرة في ذلك الوقت، تقتضي الجرأة والشجاعة ومواج
كانت ترمي بالبعض منهن إلى مختلف المستعمرات الفرنسية في مختلف الأصقاع البعيدة، ليس في أفريقيا فحسب ; بل حتى مجاهل آسيا الوسطى وأدغال أمريكا الجنوبية. كما أنها كانت تقتضي الاعتماد على الحماية والمساعدة التي يمكن أن يقدمها لهن آباؤهن، أو أزواجهن بسبب المسؤوليات التي كانوا يمارسونها كدبلوماسيين، أو إداريين أو عسكريين أو غير ذلك . وغالبا ما كان الدافع وراءها هو الرغبة الجامحة في الاطلاع على المستعمرات الفرنسية بغرض معرفتها وتقدير أهميتها بشكل أكبر.
وقد تم تحديد سبع عشرة امرأة قمن برحلات إلى المغرب خصوصا في الفترة الممتدة بين سنتي 1905 و 1935. وأنتجن كتابات تتعلق برحلاتهن إلى هذا البلد. كونت في مجموعها تشكيلة من الأعمال المتنوعة والفريدة، سواء من منظور تاريخي أو أدبي . ورغم محدودية هذه المؤلفات، فإنها تعتبر من المصادر التي تمكننا من فهم نموذج معين من الكتابات التاريخية حول المغرب، باعتبارها امتدادات للوجود والفعل الكولونيالي.
كانت أغلبية النساء اللواتي قمن برحلات إلى المغرب ينتمين إلى أوساط اجتماعية متعلمة وميسورة، منهن بنات أطباء مثل: Aline de Lens وهي فنانة تشكيلية، و بنات قضاة كالشاعرة Jane Guy ونساء من الإدارة الكولونيالية مثل: Mathilde Zeys، ودبلوماسيات كمثل Madeleine Saint-René Taillandier،وطبيبات كالسيدة . Marie Bugéjaأو كن هن أنفسهن طبيبات كالدكتورة Françoise Legey،أو ربانات طائرات مثل Magdeleine Wauthier. كما كانت من بينهن Reynolde Ladreit de Lacharrière المحاضرة لدى الجمعية الفرنسية للجغرافيا، وصاحبة كتاب«…على طول امتداد المسالك المُغربية » . وتعتبر هذه الأخيرة من الفرنسيات اللواتي زرن المغرب قبل الحماية، ومن طينة نساء أوربا الكولونيالية، ومن المستكشفات في القرن التاسع عشر، الباحثات عن روح المغامرة. بحيث لم تكن تعير أي اهتمام لظروف السفر ولا لشروط الإقامة، ولا لظروف العيش القاسية في المناطق الصعبة التي يمكن أن تنتقل إليها. وهكذا وصلت في رحلتيها إلى الجنوب المغربي مع زوجها بين سنتي 1910 و1911 حتى تارودانت، رغم أن الرحلتين كانتا محفوفتين بالمخاطر بسبب سيادة الفوضى وانعدام الأمن الذي كانت تعرفه المنطقة آنذاك.
وقد كانت هاتان الرحلتان لحساب هيآت فرنسية مختلفة منها: اللجنة المغربية والتي كانت Reynolde Ladreit de Lacharrière تقوم فيها بمهمة سكرتير، كما كانت أيضا لحساب وزارة التعليم العمومي ولحساب الجمعية الفرنسية للجغرافيا . وخلال رحلتها هاته كانت تدون كل ما تراه وما تسمعه، فجاء كتابها صنفا أدبيا رائعا يمزج بين الوصف والسرد والحكاية، ينم عن شخصية مرهفة الإحساس استطاعت أن تؤدي دورها فيه ببراعة كبيرة.
ولتقريب القارئ الكريم من هذا النوع من الكتابة، قمنا بترجمة بعض الفصول اليسيرة من كتابها ” … على طول امتداد المسالك المُغرببية” والذي دونت فيه رحلتيها إلى المغرب خلال سنتي 1910-1911.هذا الكتاب صدر سنة 1913 وقدم له السيد marquis de sėgonzac. وهو حاليا في الملك العام للخزانة الوطنية الفرنسية. ويورد مقدم هذا الكتاب كثيرا من المعلومات والمعطيات عن المغرب إبان هاته الفترة، من خلال تاريخه وعاداته وتقاليده، كما يشير إلى أن هذه الرحلة لم تكن للمتعة ومجرد تحقيق حلم لزيارة بلد يتميز بالعجائبية وبالغرابة، بل كانت رحلة محفوفة بالمخاطر إلى بلاد ” البارود ” حسب تعبيره.
وقد اخترت ترجمة هذه الفصول لأنها تناولت بالوصف الجغرافي، و الملاحظة الأنثروبولوجية الثقافية والاجتماعية المعاصرة لما يسمى بالبحث والمعاينة الميدانيين ﴿la recherche de domaine﴾ لمنطقة لم تنل – حسب علمي المتواضع – في هذه المرحلة، مرحلة ما قبل الحماية، كبير اهتمام من هذا النوع من البحث والدراسة، رغم أنها كانت معبرا هاما تربط بين شمال المغرب وجنوبه، وبين شرقه وغربه. إلا أن السيدة Reynolde Ladreit de Lacharrière أعطتنا في مؤلفها هذا وصفا دقيقا للأرض وللإنسان. الأرض التي كان يغمرها تيتوس زمن الكوندوانا ويحصرها النهران في زماننا. و الإنسان ابن القبائل القيسية، النازح من التغريبة الهلالية.والذي أدخله المنصور الموحدي إلى المغرب الأقصى ضمنقبائل عربية أخرى بعد انتصاره على ابن غانية في المغرب الأدنى.
ولقد اقتنعت بعد قراءة الكتاب عدة مرات، خصوصا الفصول المترجم عنها ، بأن عملية الترجمة هذه
لابد لها أن تعمل على إبراز وتثمين الجوانب الإبداعية للغة المصدر، وهذا يقتضي استشعار الحس الأدبي للنص، واستقصاء المهارة اللغوية في استعمال التراكيب لنقل ذلك الحس، مع الأخذ بمنهج يعطي للاتساق السياقي الأولوية على الاتساق المفرداتي، والأخذ بالمقابل المعنوي قبل المقابل الشكلي في الحالات التي تتطلبه. ذلك لأن الترجمة هي علم بأسسه ومناهجه، وفن لكونها ليست عملية نقل فحسب، وإنما هي إبداع يخص نشر معنى نصوص وخطابات معينة في مجتمع معين.بل هناك من علماء الترجمة من يعتبرها خطابا سياسيا بالمعنى الواسع للكلمة، تستخدم كمنظورلدراسة قضايا تاريخية أو سياسية أو إديولوجية متعلقة بالهوية خصوصا في مراحل ما بعد الاستعمار.
كما أنني انطلقت من اقتناعي بأن الترجمة لاتعرف بمقاييس مطلقة، ولكن بمعاييرشخصية، تأخذ بعين الاعتبارالمعايير السائدة في وسطنا الاجتماعي، كالعوامل الأخلاقية والسياسية وغيرها . هذا بطبيعة الحال مع النزوع إلى ما يقتضيه الأمر من الحرص على الأمانة جهد المستطاع.
وختاما أقول إنها تجربة. ليست لعالم ولا لدارس مختص، وإنما هي اهتمام وإثارة اهتمام، نابعة من محبتي وتقديري لهذه الأرض المعطاء ولناسها الكرماء البسطاء الطيبين، فلنركب رحلة الكلمات على خطى الغرباء العابرين … عبر هذا البلد القديم … نشق غبار السنين … نرى كيف كانت الأيام تشد التعب على صدور المتعبين … و تفرش ألوانها من دم البائسين …………. !
الرحلة الأولى
نحو مراكش 1910
الباب الثاني
20 مارس
»…أخذنا العقيد Jannerod في زيارة لبعض المعالم الجميلة بمدينة سطات في شارع فسيح، ثم بعد ذلك زرنا الحي اليهودي ” الملاح ” . كان يتواجد فيه الكثير من التجار اليهود والتجار الإسبان، وهناك خارج الأسوار قرب واد صغير، انتشرت الكثير من البساتين التي تكثر فيها أشجار السفرجل وأشجار اللوز والخروب. كثير من هذه البساتين بدأت أشجارها تقطع وتقلع من أجل فسح المجال للبناء، ورغم ذلك كنت ترى بعضها- خصوصا القديمة منها- لازال يخصص جزء فيها للبستنة من أجل الحصول على بعض الخضر وبعض الفواكه. وبعد طول انتظار، توصلنا أخيرا من الجهات الإدارية في نهاية ذلك اليوم بالترخيص الذي يسمح لنا بالسفر إلى مراكش ، فقررنا الرحيل في اليوم الموالي.
21 مارس.
انطلقنا على الساعة السابعة والنصف صباحا، يخفرنا فارس ومخزني، ولازال الرجل العجوز ذو اللحية البيضاء الذي كان يتبع ركبنا منذ أمس، والذي قضى ليلته قرب مخيمنا، ينتظر كي يسير على خطانا مرة أخرى، ربما للاحتماء بنا أو ربما لسبب آخر لم نكن نعرفه .عند خروجنا من سطات كنا نسير في أرض متربة ترتفع فيها الطريق شيئا فشيئا، إلى أن انحرفت نحو اليمين ، فاختفت معالم المدينة من ورائنا. عند « بئر مسورة » وعلى طول الطريق، كان بعض الأهالي يغسلون جلابيبهم وذلك بضربها بأرجلهم وهم يصدرون أصواتا تتناغم مع إيقاع الضرب. كانت مناسبة ذلك، الاستعداد للاحتفال بعيد المولد النبوي الذي كان على الأبواب. على اليسار كانت تظهر لنا تموجات التلال، وفي الأفق يبدو « سيدي علي بنأحمد » وكانت رؤوس جبال صخور الرحامنة تارة تظهر وتارة تختفي. عند اقترابنا من قبة الولي سيدي بركة، انعطفنا نحو اليمين، كانت البلاد قليلة الزرع وسنابل الشعير لازالت مخضرة، طرقاتها ومسالكها خالية من البشر، لا تكاد تصادف راجلا أو راكبا، مناسبة عيد المولد جعلت الناس يلزمون أسرهم وعائلاتهم.
محمد بوخار
يتـــــــــــــــبع …
فجر بريس