أخر الأخبار
الرئيسية » ومضات تاريخية » مقابر المسلمين بين التهميش و الإقصاء في ظل منظومة حقوقية تصون كرامة الانسان حيا و ميتا.
Visitez Example.com

مقابر المسلمين بين التهميش و الإقصاء في ظل منظومة حقوقية تصون كرامة الانسان حيا و ميتا.

أجمعت الديانات السماوية، و من بعدها، المواثيق الدولية، على صيانة كرامة الإنسان، حيا و ميتا، تماشيا مع النسق الكوني لحقوق الإنسان، و نصت على  تمتيع البشر على حد السواء بحقوقه كاملة، انطلاقا من الحق في الحياة الكريمة. و امتدادا إلى إكرامه ميتا، بسن نصوص و تشريعات تحرم التمثيل بجثثه و النبش في قبره، ودفنه إكراما و إجلالا له. و لضمان احترام كبير للموتى، جُعلت لهم مقامات و مدافن يوارون فيها الثرى، لها حرمتها و دلالاتها القدسية، لما تكتسيه هذه الأمكنة من أهمية إنسانية و حضارية كبرى. حيث تمثل حالة المقابر مؤشرا على تحضر الشعوب و  تجدر القيم الإنسانية في نظرتها للكون و الحياة و الإنسان، و تبقى حقلا فسيحا في الدراسات الأنثروبولوجية و الأركيولوجية، للوقوف و قفة استكشاف لحضارات الأمم السابقة و فهم النسق المجتمعي و الفلك الحياتي الذي كانت تدور في حلقته. و بالتالي لا يمكن اعتبارها بأي حال من الأحوال مجالا “ميتا” لمجرد أنها تأوي “الموتى”.

 و بمسح جغرافي بسيط لمقابر المسلمين، سواء بالعالم الحضري أو القروي، يقف الإنسان مشدوها من هول صدمة تردي أوضاعها و الحالة المزرية التي وصلت إليها، حيث  أضحت مأوى للمتسكعين و المتسولين، و مطرحا للأزبال و مجالا بيئيا لنمو النباتات العشوائية. و تنم حالة القبور المتهالكة و المطموسة المعالم و الأسوار المتهاوية للمقابر، عن رؤية نمطية سلبية للمجتمع اتجاه هذه الأماكن، لاعتبارها أماكن جامدة، لا تحوي الأرض في بطونها إلا جثث و جثامين لأناس قضوا نحبهم. كما يحز في النفس تحول هذه المعالم التي تعتبر جزء لا يتجزأ من المجال العمراني و الحضري إلى مستوطنات للاهثين عن نشوة معاقرة الخمرة والنبيذ الأحمر و مدمني المخدرات و تدخين الحشيش، حيث تشير شظايا و بقايا  قنينات الخمر المكسرة بجنبات القبور إلى  تنامي هذه الظاهرة، مما يجعل أصحاب هذه القبور عرضة للإهانة بتبول و تغوط المدمنين، عليها و بجنباتها.

 

 

 كما ظهرت حالات متكررة لنبش القبور من قبل السحرة و الباحثين عن الكنوز خاصة بالمقابر القديمة و المهجورة، كما حصل مع قبر السلطان أبو الحسن المريني داخل موقع شالة الأثري و قبر الملك الغرناطي عبد الله بن بلقين بأغمات قرب مراكش، و حالات انتهاك حرمة الموتى كثيرة و متعددة، ناهيك عن بزوغ ظواهر غير أخلاقية جديدة و عادات سيئة حولت المقابر الإسلامية إلى أماكن لممارسة الدعارة و الزنا و تبادل لحظات الحب العابر خاصة عند إسدال الليل لخيوطه، لكونها أماكن مقفرة و خالية و بعيدة عن المراقبة الأمنية. و يلعب غياب حراس رسميين و دائمين للمقابر، دورا بارزا في تنامي هذه الظواهر السلبية، حيث تقتصر الحراسة على بعض المتطوعين الذين يقتاتون و يعيشون على صدقات الزوار و المحسنين.

nador05443_084
صورة تبين حالة قبر في مقبرة إسلامية

و يبقى غياب التنظيم في حفر القبور و تهيئتها بسب الاكتظاظ و امتلاء المقابر، سببا مساعدا في انتهاك حرمة الموتى، حيث يضطر حفاري القبور إلى نبش قبور قديمة، انمحت معالمها و سويت علاماتها مع سطح الأرض بفعل الإهمال و عوامل التعرية.

أصبح اليوم التدخل الفوري و العاجل مطلبا ضروريا و استعجاليا، لإعادة الاعتبار للمقابر الإسلامية، مقارنة مع مقابر المسيحيين و اليهود، و التي لا يمكن أن نجد وجها للمقارنة بينهما على أي حال من الأحوال، و ذلك  بصيانتها وفق رؤية نسقية و عمرانية تحترم خصوصيات المجالات الحضرية و القروية، و تحترم الأموات من زاوية امتداد عالم الأموات لعالم الأحياء من الركن الديني، و بات جليا تدخل كل الفاعلين لصيانة المقابر و إعادة هيكلتها وفق تصور يحترم أدمية البشر.

 

phpThumb_generated_thumbnail
أرشيف لمقبرة نصرانية

إن تردي حالة المقابر، هي مسؤولية مشتركة، تتحملها بالأساس الدولة عبر قنواتها و قطاعاتها الحكومية الوصية على تدبير المقابر، انطلاقا من وزارة الداخلية و المجالس المحلية التي خصها الميثاق الجماعي بمسؤولية نظافتها و صيانتها باعتبارها مرفقا عموميا، و وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية في حماية المقابر من الاعتداءات و الإساءات من الناحية المعنوية و الأخلاقية باعتبارها  الراعي الرسمي للشأن الديني، كما تبقى وزارة الثقافة شريكا رئيسيا في عملية الصيانة و التدبير باعتبارها جهة وصية على المآثر و المعالم  التاريخية، و التي من جملتها قبور السلاطين و العلماء.

 و للخروج من حالة الفوضى و العشوائية التي يعرفها تدبير  المقابر الإسلامية بالمغرب و رد الاعتبار للأموات، و الحد من التطاول عليهم و انتهاك حرماتهم ينبغي العمل وفق استراتيجيات تشاركية مندمجة بين القطاعات الحكومية و عموم المواطنين على حد سواء، لوضع تصور شمولي لتأهيل المقابر، باتخاذ جملة من الإجراءات الضرورية المسايرة لتطور العصر، كإنشاء مكاتب خاصة لإدارة المقابر، و تأسيس مؤسسة خدمات الجنازة تقوم بالتنسيق مع الجماعات المحلية من أجل تجهيز الموتى المحتاجين، دون إسقاط  الجانب الايكولوجي من الحسابات الاستراتيجية، مما يحتم إحداث هيئة مختصة بتهيئة بيئة إيكولوجية جديدة بفضاء المقابر و وضع تصور جديد لمقابر نموذجية. و يبقى دور هيئات المجتمع المدني في هذا الميدان خجولا في تبني مبادرات و أيام تعبوية لتنظيف المقابر،  مما حذا معه  تأسيس جمعيات تهتم بالمقابر و الجنائز و تمكينها من الموارد المالية و اللوجستيكية على غرار الجمعيات الصفراء التي تتناسل تناسل الفئران و تلهف الملايير في أنشطة غير ذي جدوى.

لم يتأت إكرام الميت من العبث أو الترف، و لكن من  منطلقات قدسية و قيم كونية تصون كرامته، باعتباره كائنا اجتماعيا و إنسانيا، ولأن البشر مهما علا شأنه أو دنى سيلج عالم الأموات و سيرقد في حفرة لا أنيس فيها و لا رفيق، و تبقى زيارة أهله و أقاربه و أصدقائه هي صلة الوصل بينه و بين عالم الأحياء، و لذلك صار لزاما توفير ظروف ملائمة و جو مفعم بالخشوع و الصفاء الروحي لزوار القبور يضمن لهم تواصل روحي أفضل  مع موتاهم، وكذلك  فتح مجال التأمل و الاستلهام أمام المبدعون و هواة الخلوات التأملية، و من هذا المنطلق كان ضروريا التفكير في نمذجة المقابر ” المقابر المشاهد” و ذلك بجعلها فضاءا أخضر يحتوي على مساحات خضراء تضم الأشجار و الأزهار و تشجير جنباتها، و  إنشاء ممرات للراجلين و سيارات نقل الموتى و تجميع القبور و ترتيبها في صفوف متماسكة، و تسييجها بأسوار عالية و تعيين حراس دائمين بها و تزويدها بالماء و الإنارة العمومية لتمر الزيارات في أحسنظروف .

مقابرنا بالرحامنة، ليست أحسن حالا من باقي المقابر في ربوع المملكة الشريفة و إمارة المؤمنين، و يبقى ما جاء في التقرير أعلاه، ينطبق تماما على حالة مقابرنا التي سندفن فيها يوما ما، حيث أضحت مقبرة “العزوزية” مبعث قلق دائم باعتبارها أقدم مقبرة و إرثا تاريخيا لمدينة ابن جرير، و تحوي في بطونها رفات المئات من الأشخاص، يعود  أغلبها لسنوات ما قبل و بعد الاستقلال ، حيث أشار عالم الاجتماع الكولونيالي إيدموند دوتي  إبان زيارته للرحامنة إلى المقبرة  بضريحها  الشامخ للولي الصالح”بن عزوز” سنة 1902.  امتلأت المقبرة عن أخرها، و أصبح إيجاد مكان للموتى من الصعب بما كان، و رغم المجهودات التي قام بها المجلس البلدي،  فهي ما زالت في حاجة إلى إعادة الاعتبار إليها بتعميم الإنارة  و شن حملة لإجتثات نباتات الشوائية  التي أسدلت خيوطها على القبور و إعادة تسنيم و تهيئة بعض القبور التي تهاوت و تأكلت معالمها مع الزمن، و حتما يوما ما ستخرج رفات أصحابها تصيح من هذا الظلم الذي لحقها بعد مماتها. و لما لا يقوم المجلس البلدي بمبادرة قيمة و بادرة سيكون لها الوقع الكبير و الصدى الطيب على الساكنة، من خلال شراكاته و تعاقده مع الجمعيات التي تستفيد من المال العام، بطلب  تسطير و إدراج  في برامجها نقطة فريدة، تتعلق بشن حملات تنظيف و صيانة للمقابر و لو مرة في كل سنة. حتما ستكون بادرة حسنة و تجربة رائدة و صدقة جارية و يستقبلها المجتمع بصدر رحب و ستنزل على قلوب المواطنين بردا و سلاما..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *