في لقاء تواصلي بمدينة شيشاوة، خرج الأمين العام لحزب الاستقلال، الذي يشغل أيضاً منصب وزير التجهيز والماء، بمجموعة من التصريحات التي أثارت الجدل حول توقيتها ودلالاتها السياسية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية. فقد أعلن المسؤول الحكومي عن توفير آليات متنقلة للتدخل السريع في المسالك الطرقية غير المعبدة، إلى جانب تخصيص مبلغ 500 مليون سنتيم سنوياً لصيانة هذه الطرق، رغم أنها لا تدخل ضمن اختصاصات وزارته. كما كشف عن استفادة الإقليم من تقنية دنماركية متطورة لتحديد حجم المياه الجوفية باستخدام بيانات الأقمار الاصطناعية والحفر الاستكشافي، بالإضافة إلى إطلاق عدد من المشاريع التنموية الأخرى.
حين يختلط العمل الحكومي بالممارسة الحزبية
من البديهي أن المشاريع الحكومية يتم تمويلها من المال العام، أي من جيوب دافعي الضرائب، وبالتالي فإن تسويقها في لقاء حزبي يثير تساؤلات مشروعة حول مدى الفصل بين المهام الوزارية والانتماءات الحزبية. فإذا كانت هذه البرامج نابعة من السياسة العامة للدولة، التي يساهم فيها مختلف الفاعلين السياسيين بغض النظر عن انتماءاتهم، فلماذا يتم الترويج لها تحت مظلة حزب بعينه؟ ألا يعتبر هذا نوعاً من استغلال النفوذ السياسي لتوجيه الرأي العام قبيل الانتخابات؟
إن الترويج لمشاريع حكومية في لقاء حزبي قد لا يخرج عن إطار “البروباغندا السياسية”، التي تهدف إلى استمالة عطف المواطنين وتحقيق مكاسب انتخابية غير معلنة. بل إن هذه التصريحات تطرح إشكالاً أعمق حول مدى احترام أخلاقيات العمل السياسي، خصوصاً حين يتم استغلال برامج من المفترض أن تكون موجهة لخدمة عموم الشعب، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية.
الرحامنة: أرخبيل التهميش الذي لا يُرى
وإذا كان الوزير قد حرص على التبشير بمشاريع جديدة لإقليم شيشاوة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: ماذا عن إقليم الرحامنة، الذي تعادل مساحته مساحة دولة قطر، ولكنه يعاني من تهميش مزمن على جميع المستويات؟ كيف يُفسَّر غياب مشاريع مماثلة لفك العزلة عن المناطق التي لا تزال تعاني من صعوبة المسالك الطرقية؟
إن الواقع التنموي بإقليم الرحامنة يفرض على المسؤول الحكومي القيام بإطلالة جادة على هذه المنطقة، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة، ليرى بعينه مدى معاناة السكان مع الفقر والتهميش وانعدام البنية التحتية الأساسية. فلا يمكن الحديث عن عدالة مجالية وتنمية مستدامة في ظل التركيز على مناطق دون أخرى، وفقاً لمعايير قد تحكمها المصالح الانتخابية أكثر من الضرورات التنموية.
في انتظار إجابات واضحة
إن محاسبة المسؤولين لا ينبغي أن تتم فقط خلال فترات الانتخابات، بل يجب أن تكون عملية مستمرة مبنية على معايير الشفافية والمحاسبة. وعلى السيد الوزير أن يوضح للرأي العام ما إذا كانت تصريحاته الأخيرة مجرد وعود انتخابية، أم أنها بالفعل جزء من استراتيجية حكومية متكاملة لا تميّز بين منطقة وأخرى، ولا تُوظَّف لخدمة أجندات سياسية ضيقة.
ففي نهاية المطاف، يظل المواطن هو الحكم، وهو القادر على التمييز بين العمل السياسي النزيه والممارسات التي تستغل العمل الحكومي لتحقيق مكاسب انتخابية. فهل سنرى في قادم الأيام سياسة تنموية حقيقية، أم سنظل نتابع مشهداً سياسياً يطغى عليه الخلط بين المسؤوليات الحكومية والحسابات الحزبية؟
فجر بريس