
الحديث عن حزب الأصالة والمعاصرة بالرحامنة حديث ذو شجون، يأخذنا من نشوة الولادة الأولى إلى مرحلة الترهل ثم إلى لحظة الانتحار السياسي. مشهد متكرر في السياسة، لكنه في حالة “البام” حمل معه مفارقات عجيبة ودرامية، لا تزال تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الحزب في الإقليم.
حين وُلد الحزب على أرض بني معقل، كان ذلك في ظروف خاصة، مع رياح سياسية متحركة، وبقيادة فؤاد عالي الهمة، الرجل الذي أدار دفة المشروع بخطاب قوي استطاع أن يستقطب جماهير واسعة من الحضر والبادية على السواء. لكن مع هبوب رياح 20 فبراير، اختار الرجل التواري إلى الخلف، تاركًا الحزب يسير على سكته التنظيمية، مدعومًا بكاريزمات محلية كان أبرزها التهامي محب، رجل التوازنات والتوافقات داخل الحزب. ورغم بعض الهفوات، لا يمكن إنكار أن الحزب شكل حينها قوة ضاربة في المشهد السياسي الرحماني.
لكن مع انتخابات 2015، دخل الحزب منعطفًا جديدًا، ليس فقط من حيث الحضور السياسي، بل من حيث الانضباط التنظيمي. حيث بدأ الجمود يسيطر، وانطلقت موجة انسحابات كبيرة لقيادات كانت ترى في مشروع الحزب أفقًا سياسياً واعدًا. رغم محاولات الترقيع، كان واضحًا أن الجراح عميقة، وأن العزف على سيمفونية المؤسس لم يكن كافيًا لإنقاذ سفينة بدأت تتهاوى تحت ثقل أخطائها.
جاءت انتخابات 2021 لتعلن رسميًا عن “انتحار” الحزب، بترحال سياسي مثير نحو “حدائق الورد”. انتقال قيادات الحزب إلى المعسكر الآخر حمل معه مفارقات مضحكة-مبكية، حيث تحوّل بين ليلة وضحاها بعض من رفعوا راية المشروع السياسي للبام إلى مريدين في حضرة المهدي بن بركة، بل وتبرأوا من مشروعهم السياسي الأول وكأنه كان مجرد نزوة عابرة.
وبعد العودة إلى أحضان الحزب الأم والدخول لغمار الانتخابات، بدأ يُسمع دويّ التصويت العقابي في ربوع الرحامنة، ولولا التحالف المركزي للأحزاب المسيرة للحكومة، لفقد الحزب تسيير جل الجماعات الترابية.
اليوم، وبعد هذا “الانتحار السياسي”، يعود الحزب إلى خلوة تنظيمية جديدة، يحاول لملمة خيباته، بنفس الوجوه، بنفس الأساليب، وبذات الخطاب الذي فقد بريقه. فهل يمكن لمنتحر أن يعود للحياة في خلوة القبر؟ هل يستطيع الحزب، بذات الوجوه التي قادته إلى الهزيمة، أن يقنع المواطنين من جديد؟ أم أن الأمر مجرد حلقة أخرى من مسلسل الفشل، بنفس السيناريو، ونفس الممثلين؟
الأيام القادمة وحدها ستحمل الجواب.
فجر بريس