
بدا، نور الدين عيوش، رجل الإشهار و صاحب مؤسسة زاكورة للقروض الصغرى، قبل تفويتها للبنك الشعبي، حملا وديعا، أو بالأحرى طفلا صغيرا، يتأرجح في أرجوحة الجهل المركب، أمام الأستاذ المبجل في عرش المعرفة و حصون الفكر، و الفيلسوف المتوغل في أدغال أم العلوم عبد الله العروي،. عيوش قارع الفكر بالعبث، والهزل المتفتق من الرؤية العمياء لما وراء الستار، بتشخيص معاق ذهنيا و فكريا لمكامن الخلل في المنظومة التعليمية، فطار صاحبنا بخياله يبحث في ثنايا العنصرية ليتمخض و يلد فأرا، اعتبره عصا سحرية ستخلق المستحيل و تخرج بالتعليم إلى بر الأمان. الطلسم الذي وجد عيوش لإنقاذ سفينة التعليم، هو تغيير تدريس المناهج التربوية من اللغة العربية إلى اللغة الدارجة !! جاهلا بأن اللغة يتحكم فيها الحرف، و متخيلا أن لغة الضاد لعبة عاشوراء يجلبها لابنه، فإذا كسرها يستبدلها له بغيرها، و متناسيا أن لها قواعد و أساسيات و أبجديات، انبثقت عنها علوم شتى، و لها أكثر من ثلاثة ملايين مفرد، ليستبدلها بجرة قلم و يحولها إلى أطلال، ببديل اللغة العامية التي تختلف مدلولات مفرداتها من قبيلة إلى قبيلة و من سهل إلى سهل .. و عند البعض عيب و شيء مشين و قبيح كالتلاوة، التي تعني القراءة و عند البعض الآخر “القز…”، رؤية الليبرالي عيوش، الذي لا يفقه إلا لغة البورصة و المال و الأعمال، تنظر لمغرب سينخرط في صناعة أجيال من الضباع مدججة بلغة الشارع، و طمس معالم أمة راسخة في العلم، بعلمائها و فقهائها و مفكريها باختلاف مشاربهم.. إنه العبث في زمن الأعاجيب، فتلكم سنة المحبون دخول مملكة المشاهير، لتزل أقدامهم و يلجوا مزبلة التاريخ من بابها الواسع.
و في قمة الجبل، بدا العروي، متسلحا بزاد المعرفة و العلم، لم تزحزحه شطحات “بابا عيوش” عن شموخ الفيلسوف، الذي دافع عن فتنة فصل فيها منذ ستين سنة خلت، والتي كانت ضمن المشروع الكولونيالي الفرنسي لترسيم الدارجة كلغة رسمية بالمغرب سنة 1934، و أيقظها “بابا عيوش” و شيعته المفرنسة. المناظرة كانت غير متكافئة من نواحي عدة، و كان حري بالعروي أن يتنزه عن مثل هذه المناظرة المشبوهة، و لا يقبل إلا بمنازلة العمالقة و أولي النهى، في وغى الفكر المرتكن إلى العقل، و التي تقبل بالحجة و البرهان و الدليل و البينة على من ادعى حكما و فيصلا، بعيدا عن لغو الحديث، و الممارون من السفسطائية و المهرطقين. و عبر العروي خلال المناظرة التي اكتفى أحيانا، بالسكوت و التمعن في كلام مناظره، عن ممانعة و مقاومة فكرية للشخصية العلمية المتمكنة التي تشع بريقا بوهج الهوية الثقافية المغربية. إنها مقارعة الفكر بالعبث في مهزلة شهدها الأشهاد، خرج فيها فقيه الفلسفة، شامخا و منتصرا للغة الضاد، و ملأت جدران
صفحات الفايسبوك تهريجا و ضحكا على “بابا عيوش” وجهله للتاريخ.
فجر بريس