أخر الأخبار
الرئيسية » وطني » عشر جلسات من أجل الوصول إلى الحقيقة
Visitez Example.com

عشر جلسات من أجل الوصول إلى الحقيقة

مرت ثلاثة أشهر وهذه القضية حديث العام والخاص بمراكش، شغلت الكبار والصغار، وأثارت تفاصيلها تعاطف قطاع واسع من المجتمع مع الضحايا، واستياء كبيرا ليس فقط من الأفعال التي اقترفها المتهم في حق هؤلاء، وإنما أيضا من الظروف التي جعلتهم مجردين من كل حماية، ودفعت الأب يتاجر في براءة أبنائه، ويتواطأ، مقابل مكاسب محدودة، بصمته في استمرار المتهم في انتهاكهم، بل وفي مساعدته في الإفلات من العقاب. القضية ليست في عمقها فضيحة أخلاقية فحسب، وإنما جرحا اجتماعيا.
عيون الليل التي لا تنام
كان كشف مسلسل الفضائح المرتبط بهذه القضية صدفة. المكان أحد أحياء مراكش الحديثة، حيث تتجاور المساحات الآهلة بالشقق والعمارات والفيلات، بالفضاءات الخلاء، التي عادة ما تحفل بما لا يسر العين ولا يطرب الأذن. والزمان ليلة باردة من ليالي مراكش الشتوية . المدينة الحمراء مشحونة بأجواء الاستعداد للاحتفال بالسنة الجديدة، حركة وحماس وأضواء، إلا في هذا المكان حيث كانت ترسو سيارة من نوع ستروين، اعتقد من فيها أن الليل ستار يحجب الفضيحة. كانت دورية أمنية من رمز الدراجين تقوم بعملها الروتيني، حينما اقتربت من العربة التي ترسو في مكان مشبوه، ولم يكن ما شاهده رجال الأمن داخلها أقل شبهة. رجل مسن فرنسي الجنسية وقاصر مغربي يختليان ببعضهما في وضعية غير عادية.
حالة التلبس فرضت نقل الموقوفين إلى الدائرة الأمنية الثامنة والاستماع لهما قبل إحالتهما على فرقة الأخلاق العامة بالمصلحة الولائية للشرطة القضائية. هناك بدأت خيوط الفضيحة تنسل من تصريحات الطفل وباقي من ثبتت علاقتهم بالملف من أطفال وراشدين.
اعترافات صادمة أمام المحققين
الطفل الذي لم يتجاوز عمره 14 سنة لم يستطع إخفاء حقيقة ما كان الأجنبي يرغب في أن يظل محجوبا. إذ لم ينكر معرفته بالفرنسي الذي ضبط إلى جانبه، معترفا أن ذلك يعود إلى أزيد من ثلاث سنوات من خلال والديه. هذه العلاقة توثقت بينهما، برعاية من الأب الذي لم يكن يعارض تردد ابنه على بيت الفرنسي، بل كان يرافقه في أحايين كثيرة. ولم يكن يتوقف عند هذا الحد، بل شمل أيضا الشقيق الأصغر الذي لم يتجاوز عمره 12 سنة.
انسابت الحقيقة واضحة من فم القاصر. فأمام أسئلة المحققين، لم يتردد في كشف كل الجوانب المعتمة من هذه القضية. وهكذا أقر بأن الفرنسي المضبوط برفقته داوم على استقباله بمعية شقيقه الأصغر بمكان سكناه، على خلفية الصداقة التي تربطه بوالدهما، حيث كان يساعد في مصاريف تمدرسهما. الأمور لم تقف عند هذا الحد الذي يبدو للوهلة الأولى أنه مفعم بحس إنساني ملفت، بل تجاوزته إلى مستوى جارح يصعب استيعابه.. فالطفل اعترف، أيضا، للمحققين، أن الصديق المفترض لوالده، كان يمده، هو و شقيقه الأصغر بعطايا تتراوح مابين خمسة وعشرة دراهم، لكن ليس دون مقابل الثمن كان هو استغلال براءتهما، وممارسة الجنس عليهما.
استدعي الشقيق الأصغر بدوره للمثول أمام الفرقة المكلفة بالتحقيق، الذي لم يتردد -بحضور والدته- في تأكيد كل ما أفضى به شقيقه من حقائق، حيث أكد أن الفرنسي الموقوف كان يتصرف بنفس الأسلوب معه، يستغله جنسيا ويمده مقابل ذلك بدراهم قليلة. تكرر ذلك خلال ثلاث سنوات.
المعلومات التي حملتها تصريحات القاصرين سمحت لرجال الأمن باستثمارها بغرض إجلاء كل نقط الغموض في الملف، فمن بين ما و رد على لسانهما، أن الفرنسي المتورط في هذا الملف، كان يستعمل الشقيق الأكبر الذي ضُبط برفقته في السيارة كطعم لاستدراج أطفال آخرين، كان يستقبلهم ببيته ويمنحهم فرصة اللعب على حاسوبه الخاص ويقدم لهم المشروبات الغازية، لكن من دون استغلالهم جنسيا.
اهتدت مصالح الأمن إلى هوية ستة من هؤلاء الذين استُدعوا للمثول أمام الفرقة المكلفة بالتحقيق في القضية، أعمارهم تراوحت مابين 13 و15 سنة، وتصريحاتهم تطابقت مع إفادات الشقيقين.
قفص الاتهام
حاصر المحققون الفرنسي المتورط في هذه النازلة، بكل المعلومات التي قدمها القاصران، فتراوحت تصريحاته ما بين التأكيد والنكران. بخصوص علاقته بوالد الشقيقين، اعترف بأن معرفته به تعود إلى سنوات الثمانينات من القرن الماضي خلال أول زيارة له للمغرب. وتوثقت بعد أن قرر الاستقرار بمراكش سنة 2008، حيث شرعا في تبادل الزيارات. هذه العلاقة جعلته يستقبل ابني صديقه المغربي في مقر سكناه، ويزورهما في بيت والدهما. وتجاوز ذلك إلى مساعدتهما في مصاريف الدراسة، وتسديد واجبات الساعات الإضافية قصد دعم مستواهما الدراسي، إضافة إلى مساعدات أخرى من صنف شراء الملابس لهما.. بالطبع، أصر على أن كل ذلك كان من دون مقابل، وأن محركه في ذلك هو محبة الخير والوفاء للصداقة.
ورغم أنه أنكر ما اتهمه به القاصران من استغلالهما جنسيا، إلا أنه قدم إفادة غريبة، مضمونها أنه كان يستقبلهما رفقة والديهما، لقضاء يومين أو ثلاثة ببيته، فكان يفرد للوالدين غرفة خاصة، في ما ينام هو والقاصرين على سرير واحد بغرفة ثانية.
استنتاجات المحققين اعتبرت أن جنحة التغرير بقاصر هتك عرضه، قائمة في حق المتهم الفرنسي، ليُحال على النيابة العامة في حالة اعتقال.
المفاجأة
أخضعت النيابة العامة المتهم للتحقيق، واستمعت لباقي الأطراف وفي مقدمتهم الشقيقين القاصرين، اللذين قدما نفس المعلومات التي سبق أن أدليا بها للضابطة القضائية. فأحيل الملف على غرفة الجنح بالمحكمة الابتدائية. أثار دلك رد فعل قوي لدى الجمعيات الحقوقية والمنظمات المدافعة عن حقوق الطفولة. بالنسبة لها الأفعال المنسوبة للمتهم ذات طبيعة جنائية، وكان من المفروض أن يحال على غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف.
انطلقت المحاكمة، ولم تكن أطوارها عادية، بل تأجلت عدة مرات، وتأججت فيها خلافات حادة بين محامي المتهم وممثل النيابة العامة، لكن أكبر منعطف غير مجراها، هو لحظة الاستماع للقاصرين من قبل هيئة المحكمة.
الشقيقان، وعوض تأكيد تصريحاتهما المُدلى بها أمام الضابطة القضائية والنيابة العامة، نفياها قطعا. وأنكرا أن يكون المتهم صديق والدهما قد مارس عليهما الجنس، وتحرش بهما. وبدا أن في لهجة الشقيقين ما يثير الشكوك حول تلقيهما ضغطا لتغيير أقوالهما، إذ ظهر أداؤهما أمام المحكمة كما لو كانوا يرددون محفوظة لُقنت لهما بعناية. لكن الأهم هو أن هذه التصريحات تزيح عبئا ثقيلا من على كاهل المتهم الفرنسي، فمصدر إثبات التهمة الرئيسي في حقه قد زال.
بدا المتهم الفرنسي كما لو أفلت من قبضة الإدانة، لولا أن محامي الضحيتين طالب بفتح تحقيق في أسباب تغيير أقوالهما. المعلومات المتوفرة في هذا الباب تفيد أن الوالد تلقى رشوة قدرها 100 ألف درهم لحمل ابنيه على تبييض ذمة المتهم الفرنسي.
فتحت النيابة العامة تحقيقا جديدا، واستدعي للمثول أمامها مرة أخرى، الشقيقان والدتهما التي أكدت كل التصريحات التي سبق أن قدمها ولداها أمام الشرطة والنيابة العامة متهمة الفرنسي صديق الأب باستغلال ابنيها جنسيا. الطفلان بدورهما عادا إلى روايتهما الأولى. فأنجزت محاضر جديدة وقررت المحكمة ضمها إلى القضية، وهو ما أثار حفيظة محامي المتهم الذي قرر الانسحاب من الجلسة احتجاجا على تحريف مسار المحاكمة بعد ضم محاضر جديدة أنجزت بعد انطلاقها.
القضية تؤجل للمرة الثامنة
استدعت النيابة العامة والد الضحيتين للاستماع إليه بخصوص ضلوعه في الضغط على ابنيه وحملهما على تغيير أقوالهما. وبعد الاستماع لكل الأطراف، اقتنعت النيابة العامة بأن الوالد قام فعلا بالضغط عليهما من أجل تقديم إفادات كاذبة للمحكمة، فقررت متابعته بتهمة “القدوة السيئة والبلاغ الكاذب”.
جلسة مغلقة وحكم
عاد الطفلان إلى قاعة الجلسات بالمحكمة الابتدائية رفقة والدتهما، وأعيد الاستماع إليهما، مرة ثانية، من قبل هيئة المحكمة في جلسة مغلقة. تصريحاتهما، هذه المرة، جاءت قاطعة كالسيف.. ذكروا فيها التفاصيل الكاملة التي تؤكد التهمة في حق المتهم الفرنسي. هذا الأخير عاد بدوره لإنكار التهم المنسوبة إليه، وطعن في صحة أقوال الضحيتين.
في الجلسة العاشرة من مسلسل هذه المحاكمة الطويلة، قضت المحكمة بسنتين حبسا نافذا في حق الفرنسي، المتابع بتهمة التغرير بقاصرين وهتك عرضهما بدون عنف كما قضت في حق المدان بدفع تعويض لفائدة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان قدره 40 ألف درهم، ودرهم رمزي لفائدة الجمعيات المؤازرة للضحايا.

نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 03 – 03 – 2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *