أخر الأخبار
الرئيسية » وطني » أحرضان و ترهات خريف العمر
Visitez Example.com

أحرضان و ترهات خريف العمر

io

يكاد المرء أن يصاب بالتقزز و الاستغراب المصحوب بالأسف اتجاه سلوكات بعض الساسة ممن شكلوا طيلة حقبة زمنية طرفا في مشهد حفل بالعديد من التحولات، حين ينتهي مسار مؤسس الحركة الشعبية إلى كتابة سيناريوهات تجاوزها الزمن و لم يعد يصدقها العقل خاصة و أن مصدرها أحد الفاعلين الأساسيين في مسلسل التمييع والترهيب المخزني على امتداد حقبة من تاريخ المغرب الحديث التي كلما تذكرناها إلا وأيقظت جراحا و كوابيس أتت على أحلام جيل بأكمله تطلع لمغرب تسوده الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.
ما سرده المحجوبي أحرضان في مذكراته وإن حاول إلباسها حلة الشهادة التاريخية بحثا عن تميز و حدث يمكن أن يحظى بالمتابعة يبقى منقوصا و قاصرا من حيث امتلاك المعطيات و الحقائق التي يدركها كل المغاربة و لا حاجة لهم في أن يرويها أحد وكأنها مستجدات وأسرار، لاسيما إن كان المصدر مشكوك في روايته و لا تخلو خرجته من المناورة و الدسائس الرامية إلى تصفية حسابات سياسية مع رجالات هذا الوطن و تلطيخ سمعة من وقفوا في وجهه و رفضوا كل وصاية لبقايا المستعمر الذين لاتزال عقدة الماضي البئيس و الأسود تحيط بكل تفاصيل حياتهم و قد بلغوا من السن عتيا. إنها محاولة من محاولات إزالة ملامح الجرم و التاريخ الغير مشرف الذي ارتبط بمسيرتهم و هم يفضلون مصالحهم الذاتية ضدا على مصلحة الوطن معلنين وفاءهم و تحيتهم العسكرية لراية المستعمر بتفان بالغ دفاعا عن مشروع توسعي تجاوز حدود المغرب إلى بقاع أخرى يتذكرها صاحب المذكرات عندما لم يدخر جهدا لتسويق المشروع الاستعماري لفرنسا ويشهر سلاحه في وجه الإخوة التونسيون وهم يتطلعون لتحقيق استقلالهم إسوة بكل الشعوب التواقة إلى الحرية و الانعتاق.
لقد زاغ الزايغ عن طريق الحكمة و الرزانة المفترض أن تؤطر رجلا مارس السياسة و خبر دهاليزها حين لم يعد يفرق بين الضحية و الجلاد و أطلق العنان للسانه في كل اتجاه مكفرا كل أعمدة و رواد التحرير و الفكر و السياسة و أخرج أسماء من مزبلة التاريخ ليمنحهم أوسمة وطنية من إخراجه وإبداعاته الشخصية فراح بريشته يرسم ملامح الوطنية و يلصقها بالبعض و يجردها من آخرين دون مراعاة لشعور المغاربة الذين عرفوا في شخصيات وازنة كل الوفاء و الوطنية العالية التي شكلت وجها يعرف بالنبوغ المغربي في كل بقاع العالم حتى وإن اختلفت توجهاتهم و إيديلوجياتهم فقذ شرفوا هذا الوطن من أمثال علال الفاسي و المهدي بنبركة و الفقيه البصري و اللائحة طويلة، و بدل أن يقف أحرضان وقفة إجلال لهؤلاء أصر على أن يخص رفيق دربه في صفوف الجيش الفرنسي سابقا بما يكفي من التنويه و التهليل لإنجازاته التي ارتبط جلها برائحة الدم، إنه الجنرال أوفقير الذي نال حظه و نصيبه في مذكرات أحرضان و حظي بالتقدير و الاعتراف نظير إنجازات يستحيي المرء عند ذكرها و هي سابقة في تاريخ السياسة المغربية حين يتم تكريم شخصية غفر الله لنا و لها من سيئات الأفعال و المآتم التي كانت وتسببت في زرع الخوف و الرهبة ففرضت منطق القمع و الرصاص و الاعتقال و الاختطاف بل تجاوزت طموحاتها مستوى الجبروت و التسلط إلى تحقيق مشاريع أوسع فتحت عيونها على الطمع في تولي مقاليد الحكم في محاولة للمس بالنظام و الملكية وطبعا فضل الزايغ إلا أن يكرم صديق الأمس و يمنحه صفة الوطني الغيور على وطنه وهو الذي كان قاب قوسن أو أدنى من تنفيذ مخطط يرهن الوطن نحو المجهول.
عبارات كثيرة رددها صاحب المذكرات العجيبة وهو يوزعها على رموز الحركة الوطنية من القتلة و الخونة و الانتهازيين و الانقلابيين و المتآمرين و على اعتبار صاحب المذكرات ظل وفيا لمصالح فرنسا و كان أحد عيونها على المغرب المستقل واضطلع بمهمة تتبع و حراسة مصالحها و انطلاقا من كون موقعه هذا لا يشفع له لكي يتحول إلى وطني أو حتى شبه وطني فإن ما عرج عليه من أوصاف يحيلنا على نقص حاد في إلمامه بالقاموس العربي الذي أبحر فيه الزايغ وراح يوظفه ليستقي المصطلحات التي حولها إلى اتهامات باطلة و واهية في حق من واجهوا أمثاله بكل عزم و شجاعة رافضين إغرءات المستعمر و مخططاته، متشبتين بمواقف الرجال الأبرار المؤمنين بمبدأ الحرية و الاستقلال في الوقت الذي كان أحرضان يحرص على تنمية مصالحه و يسمن أرصدته و أملاكه التي لم تعد تخفى على أحد و اعترف بها شخصيا حينما قال أنه ليس الوحيد الذي راكم الثروة بطرق مشبوهة و غير منطقية في إحدى حواراته الغريبة الأطوار، فأي خيانة صدرت عن ثلة يكن لها المغاربة كل التقدير لإسهاماتها في ترسيخ قيم الوطنية و الدفاع عن المؤسسات بل رفضت كل السيناريوهات الدامية التي وقف وراءها صديق الزايغ الجنرال أوفقير و رجالاته الذين عاصرهم رئيس الحركة الشعبية من أمثال الدليمي و البصري و كل خريجي الآلة العسكرية للمخزن العتيق المتشبع بقناعات القمع و الرصاص.
كان على الزايغ وهو يصر على إهانته لأعلام المقاومة و الكفاح و تشكيكه في ما قدموه من نضالات أن يعرج على كل تفاصيلها بدون انتقائية ليعترف بدوره في إذكاء الفتنة و النعرة القبلية و الدفع باحتجاجات و تذمر ساكنة الريف في متاهة مأساة كبدت المنطقة خسائر في الأرواح و رسخت إحساسا بالتهميش و الحيف كما كرست معطيات تاريخية مغلوطة أريد لها أن تكون وسيلة لإحداث القطيعة بين حزب الاستقلال و الريف من خلال واقعة اغتيال المقاوم عباس المسعدي الذي فضل أحرضان أن يشير إليه في مذكراته و يصرح بمعرفته بقاتله الذي لا يزال على قيد الحياة وهي خرجة اخرى غير مدروسة و زلة لسان تذكرنا بالخرجة الأخيرة لرئيس الحكومة الحالية و هو يرفض الإعلان عن أسماء من سماهم بمهربي المال حيث تحولت الاتهامات سلوكا اعتياديا لا يعاقب عليها القانون و إن ثبت على صاحبها التستر و إخفاء الجريمة. إنه الحنين لمنطق انتهاز كل الفرص لخلخلة حقيقة التاريخ و محاولة تحوير ملفات و أحداث و استغلالها في لعبة سياسية غير بريئة للنيل من قادة حزب الاستقلال و تاريخه الحافل بنضالات كل رجالاته، في الوقت الذي تؤكد الوقائع تحركات الخطيب و أحرضان لتصفية المجاهدين و الركوب على تضحياتهم طمعا في موقع سياسي قوي في مغرب ما بعد الاستقلال. لم يتحدث أحرضان عن فترة تقلده لمهام حيوية في هرم الدولة في مقدمتها وزارة الدفاع و تقلده لمسؤولية عامل إبان فترات زمنية سوداء مما يبين أن شهادته تفتقد إلى المصداقية و الشروط الواجب توفرها في سرد التاريخ و إعادة ترتيب فصوله فلا هو بمؤرخ و لا هو بأحد الفاعلين في الجهة التي ناضلت من أجل الكرامة و الحرية، وما يتذكره المغاربة و تؤكده أرشيفات فرنسا و شهادات من عاصروه أنه كان حارسا لمصالح باريس لينتقل إلى لعب دور آخر في مواجهة القوى الوطنية فراح يؤسس حزبا رفقة صديقه الراحل عبد الكريم الخطيب لتحقيق مشروع يتوخى تقزيم حزب الاستقلال وظفت من أجله كل المناورات و الأساليب الخبيثة بما فيها تحريف وقائع معينة من بينها ما خلصت إليه اتفاقية إيكس ليبان و اتهام حزب الاسقلال بمحاولة الاستفراد بالحكم وهي تهمة باطلة لها مردها في تفاصيل المفاوضات التي أكد فيها ممثلوا حزب الاستقلال على ضرورة عودة الملك كشرط أساسي لا رجعة فيه.
ذاكرة المغاربة ليست ضعيفة إلى حد تصديق ترهات المحجوب أحرضان فهو علم من فوق جبل تخصص في خدمة المستعمر و شكل حلفا مع خدامه و بقاياه و لم يبخل على المغاربة في ممارسة القمع و ممارسة سلوكات المناورة و الدسائس و اعترافه الشخصي بوطنية صديقه أوفقير يؤكد للرأي العام و المهتمين بمادة التاريخ السياسي أن أحرضان لا يفرق بين من ضحى و ناضل و بين من استأسد و تقوى بالخصم ليبسط يده على المئات من الهكتارات دون سند يبرر تطور حجم الثروة التي راكمها.
لم يكلف الزايغ نفسه و هو يشكك في وطنية الاستقلاليين عناء التدقيق في المعلومة التاريخية و الأرشيفات ليتأكد أن مسار من اتهمهم بالخيانة و التواطؤ ضد مصالح الوطن حظوا بكامل التقدير و التنويه و الاحترام من لدن الشعب لمصداقية نضالاتهم و لعل الرسالة التاريخية التي وجهها الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي من القاهرة إلى الأمين العام لحزب الاستقلال المرحوم أحمد بلافريج في أوج مراحل الكفاح خير شهادة من رجل عظيم و هو يصف الأخير بمناقب الرجال الفذاذ و الوطنية و المواقف الشجاعة الساعية إلى إعلاء راية الوطن و الدفاع عن مكتسباته و ترسيخ القيم النبيلة، شهادة لها دلالاتها و وزنها فمصدرها رمز من رموز الكفاح الذين تقاسموا مع كل الاستقلاليين تطلعات رؤية مغرب ينعم بالحرية. و يكفي أن موقف حزب الاستقلال من أحداث الريف التي انطلقت شرارتها سنة 1958 كان واضحا و رافضا لكل توظيف لمطالب اجتماعية للنيل من حزب قدم التضحيات الجسام، أحداث لم تكن أيادي أحرضان بريئة منها في ظرفية حرص فيها على زعزعة تماسك الاستقلاليين عبر تسويق أطروحات كاذبة قادرة على استمالة عطف ساكنة الريف التي لم تعد تنطلي عليها مثل هذه المناورات وأساليب الخداع التي تضر بالوطن قبل أن تضر بحزب الاستقلال.

عن العلم عن وجهة نظر : خالد بنحمان

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *