صار من اليسير جدا عدم استباق الاحداث او التنبؤ بها، وبالنتيجة فلا العلوم السياسية ولا الاجتماعية ولا الانسانية او” مراكز التفكير” قادرة بعد اليوم اختبار نبؤة او قراءة كف. لماذا اذن هذا الادعاء ؟
الجواب يكمن في فوز شاب من مواليد 91 بعمدة مدينة نيويورك وهو مسلم واشتراكي ديمقراطي ويعادي خطاب امريكا في الشرق الاوسط ويساند القضايا العادلة هناك بنفس الشرق الثائر.
(اعداء امريكا ) باتوا بعقر الدار وما بال التاريخ يتفنن في ادهاشنا؟
ما يحدث في العالم خارج بيئاتنا سيؤثر فينا لا محالة سواء بالامس القريب او غدا او الاعوام القادمة اذا لم نتغير(نظرية الفراشة).
وماذا علينا فعله من اجل مواكبة التحولات الجوهرية وليس الشكلية التي نستيقظ كل حين على اكتساحها لخواطرنا، عقولنا، ذواتنا ؟ بل هناك فرق بين النوايا والافعال، مرة شاهدت حوارا شيقا لفيلسوف فرنسي يشرح فيه كيف ان هناك تصنيفات جديدة لدول العالم، كانت بالسابق دول متقدمة اي العالم الاول ثم الثاني ودول العالم الثالث، لكن قال بان هناك مساحة صارت تتهيأ لاستقبال دول العالم الرابع وهي تلك التي ستسقط من الدول النامية( دول العالم الثالث) التي لم تاخذ باسباب التحولات الاجتماعية وعلى راسها النظام السياسي باعتباره “حامل الاحلام”، وفيه الحريات والتعددية والعيش الكريم والتنمية وذلك القاموس الضخم(جاك داريدا) الذي تعلمناه بنهاية القرن العشرين وحلول النظام العالمي الجديد…
فقد كانت هذه المفردة كافية لفهم ان نهاية ثنائية القطبين وبروز النزعات الفردانية والحديث عن ما بعد العولمة ونهاية الغرب” لدورته الحضارية” وانتشار اشكال الاستهلاك وامتداد النزعة الليبرالية المستفيدة من الحريات …حرية تنقل البضائع والافراد و انفجار الامل بثورة رقمية غيرت وجهه العالم الى لا عودة.
هنا بالذات و خلف خطاب ذلك الشاب المسلم سنتذكر كم انفقت امريكا والغرب قبل سنوات تحسبا لهذه اللحظة ، لحظة تتويج عربي وهو يستبق كلماته: “انا لكم ومنكم- من سيمر لنا سيمر عبرنا- ترامب ارفع الصوت عاليا- انا مسلم- ” هي لغة المنتصر الواثق وسط عشرات الالاف من الشباب الذين يصرخون اكثر من زئير الاسد، ان الاصوات المرافقة لعمدة نيويورك كافيه لفهم ان القادم مخيف ومرعب وجيد -اذا تعلمنا منه ان الانسان الكامل يكافح منذ ادم الى استرجاع كماله- ، وان زئير القيامة سيغير هناك وبالتعدي سيكون مداه لا تسعه القارة العجوز والغرب، الذي منذ 91 باحتلال العراق وافغانستان وسجون غوانتنامو وواقعة مركز التجارة العالمي وهو يخاف اللحى السوداء والدين والتدين ويخاف الاسلام “الاسلاموفوبيا ” مهما كانت معتدلة ومتوازنة وتؤمن بالاخر وتواقة للعيش المشترك…لذلك فان فرضية عالم رابع تتزاحم فيه الامم التي لم تؤمن بمواطنيها وخيراتها وبشرها ولم تؤمن بالديمقراطية كحل حقيقي وليس “ادعاء” فارغ او تمديد للزمن (اينشتاين) هو لحدها الاخير.
اقول، ستكون دول العالم الرابع كتحدي راكب” باص” بالمدن الكبيرة حيث يجتمع “الصلاح والطالحون والفجرة والبررة والسكارى والمجرمون على صفيح ساخن ..ستكون عوض قاع عريض بكل دولة وبلد الى قاع “كلي” للبؤساء يجمع “مهيمنين ومهيمن عليهم “…ونحن نعرف معنى العزلة التي تعيشها نظم ودول وأمم سبقت (العراق، ليبيا، سوريا، ايران، روسيا….الخ ) لم تفكر في الانفتاح ولم تستبق تربس الغير الواعي بمعنى الهيمنة انثروبولوجيا ومعرفيا.
وهنا انصح فقط بمشاهدة الشريط وسماع” زئير القيامة” لشباب جديد واع متعلم ينتمي الى التكنولوجيا،(محركات مارك وجوجل وتيك توك وانستغرام) وعشرات من التجارب الرائدة التي غيرت فكرة الفرد عن نفسه وعن العالم الذي يعيش فيه، ذلك الفرد الجديد المرقمن”الخوارزمي” الذي يؤمن بالتقنية اكثر من ادوار الشعر وتاملات الفلسفة البطيئة الباطنية، انه جيل سيغير بالمؤكد نظرتنا لمفاهيم : الحرية ، الدولة، القانون، الانسان، الفرد، الجماعة، التمثل، القيم والمعايير والرموز والمعارف والمؤسسات…سنرى ذلك باعيينا دفعة واحدة اذا لم نتغير وحتى لو توفرت” النيات” فان العالم مقبل على نزعات وايديولوجيات ونظريات تشبه ما اعقب 1930، مع تفاوت في الذهنيات والمكتسبات الجماعية التي اعتقد ان (هابيتوس) بيير بورديو سلخ فيها وقتا مهما لفهم من وكيف تتحكم قوالب ” لا واعية” ذاتية وموضوعية تتغير بتغير المجتمعات عبر الزمن والثقافة، الى انتاج افراد جدد مختلفين عن الاسلاف، والا ما كانت لحظة ” موت الاب” عند نيتشه غير ذات قيمة و لا ” موت الانسان” عند فوكو الا سيرورات فهمية لمعنى الانتقالات بالمجتمعات وعدم عودتها نحو الخلف .
المغاربة اليوم يحتفلون بشكل رهيب باكثر من مناسبة حملها شهر اكتوبر، وفيها عيد الوحدة ل 31 منه وعيد المسيرة الخضراء وفرح جاء به الى الديار فاعلون واضحون هم : الملك والشباب.ورجال هذا البلد الوطنيون.
هذا الفرح فيه بالداخل اوجاع كثيرة بالرغم من قيمته الرمزية والاعتبارية بين الشعوب والدول، فهناك قطاع للصحة عليه الكثير من الملاحظات وهناك ورش التعليم الذي يحز في النفس وقد حضرت ندوة علمية بمكتبة جامعة القاضي عياض لمجموعة باحثين ومختصين بالهجرة، كان ضيفها ادريس اليزمي ، حيث استمعت للارقام التي قراتها استاذة بذات الجامعة حول نسبة الطلبة الاجانب التي لم تتعدى 1 بالمائة، الرقم هزيل جدا ووحده كاف بقياس اوضاعنا على كل الأصعدة…فوز الشباب بكاس العالم لتلك الفئة وجهود الملك ل26 سنة كانت قياسية، لكن اليد الواحدة لا تصفق، و المغرب يحتاج الى الداخل والخارج… الى ابناءه وبناته، فلا يكفي ان تكون ارادتان قادرتان باحداث كل التغيير ، لم يكن على مر التاريخ افراد قادرون على تحويل مجتمعات بعينها الا من خلال “الميثولوجيا الإغريقية “. الرخاء والازدهار يحتاج الى الجميع، و الا ماكان لزاما ان نسمي التاريخ القديم بمرحلة “العصور الوسطى” ثم لحظة ” التنوير الجماعية’ و لحظة ” النهضة”….اي التخلص من كل معرقلات استرجاع الانسان لكينونته.
يحتاج المغرب الى أبناءه من جيل Z والتطلع نحو مطالبهم لانها تحمل رهان الاباء و الأمهات والاجداد جميعا، والى الانصات الجيد للناس. ويظهر الملك من جديد داخل هذه الفرحة موجها أوامره الى 37 إقليما (واليا وعاملا) بالانصات الى مطالب السكان …هذا هو البلد الذي يريده اي مغربي، بلد للاستماع وبلد يؤمن بان التحولات لا ترعاها جهة واحدة بل تحتاج الى امة “مبتكرة”، واستبدان الادوار بصدق، بما يجعلنا غدا بدول العالم الثاني خشية البقاء بالصف الثالث وخشية ان يفرغ ذلك القسم ونعيش النكبة: اما نحو العالم الرابع او البقاء في ديل الامم…يجب الانصات الى اتجاهات الملكية اليوم واشراك الناس بكل شبر من هذا التراب. انصات حقيقي يوازي وحشتنا للوطن اذا ابتعدنا عنه.
صبري يوسف كاتب راي وباحث بسلك الدكتوراه بعلم الاجتماع السياسي والتنموي.
فجر بريس