آثرنا في هذا التحقيق، إلا أن نأخذ المبادرة و ننفض الغبار على معاناة شريحة واسعة من المواطنين تعيش منبوذة في عالم مغلق، دون أن يكثرت لمعاناتها المجتمع الذي لفظهم إلى معانقة الشارع، في وضعية مزرية و ظروف قاسية، لا يقدر على تحملها الأقوياء و الأسوياء. هذه الشريحة لا تلقى دعما معنويا و ماديا إلا نظرة الرهبة من المواطنين التي تخاف من مصابها الجلل مكتفية بترديد ” الله يستر”. إنهم الحمقى و المجانين الذي يجوبون الشوارع طولا و عرضا، و يقدمون لوحة تراجيدية لمعاناة عميقة، تزداد و تتفاقم يوما بعد يوم، و تتعايش بصعوبة بالغة مع مجتمع هضمهم حقهم في العناية الطبية و التطبيب و إعادة إدماجهم.
إنها صورة سوريالية، لكائنات مصابة بمختلف الأمراض النفسية و العقلية، تمر أمام أعيننا كل يوم و ساعة بشخوص مختلفة، تحمل معها حكايات و أسرارا. منها العدواني، و العنيف الطباع، الذي يشكل دائما مصدر خوف و قلق و تهديدا لحياة الآخرين، و غالبا ما سمعنا عن حالات كثيرة لمجانين عنيفين ارتكبوا جرائم في لحظات عصيبة، في غياب تام لإجراءات وقائية من طرف الدولة و السلطات لتفادي هذه الجرائم. و صورة أخرى لمجانين، يطوفون المدينة و يمشطون شوارعها بغير سبب، عليهم سرابيل الأوساخ، و نبتت في رؤوسهم مستعمرات القمل و الطفيليات، مرددين أنشودة الصياح والصراخ و النفير، لعلها تخفف من وطأة حملهم و معاناتهم، و فئة أخرى، فقدت الإحساس و الشعور كليا، و صارت تشبه الحيوانات في تصرفاتها و أفعالها، فهي تأكل من القمامة، و تعيش في المزابل و في الخلاء بعيدة عن الأنظار، و اتخذت نمطا خاصا لها للعيش يتماشى مع حمقها، و فئة لا تكاد تراوح مكانها، و ذات شهرة بالأماكن العامة و المحطات الطرقية تجود عليها القلوب الرحيمة بما جادت به قريحتهم، و شريحة أقل عنفا تستجدي المواطنين من أجل دراهم معدودة تجد سبيلها إلى جيوب مروجي المخدرات.
و ما يثير الاهتمام هو تزايد و تفاقم هذه الظاهرة في صفوف الشباب. حيث وقفنا جليا على حالات و بؤر خامدة لشباب في ريعان شبابهم، ظهرت عليهم ملامح و علامات الحمق و الجنون و بدأ خيط عقلها الناظم مع المنطق يتلاشى رويدا رويدا مع لفائف الحشيش و الاستهلاك المفرط للمخدرات. و من خلال الكلام معهم تجدهم في كل واد يهيمون، و مناقشتهم تنحرف عن المنطق بسنوات ضوئية، و يعيشون في حياة يصدق عليها القول إنها حياة مريخية، فهم من يمتلكون الحقيقة و أهل العلم و المعرفة “قافزين”، وأما باقي المجتمع فهو جاهل و أمي “دمدومة”.
و خلال البحث و التقصي، عن الأسباب المغذية لهذه الظاهرة، وجدنا أن هناك أسباب متشعبة و متداخلة لتفاقمها، يأتي في مقدمتها التعاطي للمخدرات، و أعمال السحر و الشعوذة، و أخرى تداخلت فيها العوامل الاجتماعية و الاقتصادية. لذلك سنعرض بعض الحالات التي و قفنا عليها بأنفسنا أو ما استقيناها من أفواه أهاليهم، لنمط عيشهم و ظروف حياتهم، و معاناتهم معهم، و التي تجشم فيها الأهالي معاناة كبيرة، إلى درجة التخلي عنهم و السماح فيهم، واجدين في الشارع مخلصا و منقذا من جحيم قاس و حياة انقلبت رأسا على عقب في ظروف مأساوية.
السيدة رقية معانات مع ابنها الأستاذ الذي ترك الفصل الدراسي و عانق حياة
تحكي السيدة رقية، معانتها مع ابنها الذي كان أستاذا لمادة الرياضيات، بغصة و حرقة بالغتين، عن تبخر سنوات جهدها و كدها، لتوفير ظروف ملائمة لإتمام دراسته بعد وفاة والده، لكن فرحتها بابنها الذي تخرج أستاذا لم تدم طويلا، حيث انقلبت حياته رأسا على عقب بتعرفه على إحدى الفتيات التي عارضت والدته زواجه منها في البداية، فهو لم يكن من مستهلي المخذرات أو مدمن خمر، لكن مصيبته ابتدأت مع الفتاة التي تزوجها رغم أنف والدته، و التي كانت سببا رئيسيا في فقدانه عقله، لتعاطيها السحر و الشعوذة، حيث أكدت الوالدة أنها ذات يوم طرق بابها ابنها الذي رحل مع زوجته، فصدمت لمنظره البشع و حالته المتسخة وثيابه المتقطعة و لحيته الطويلة، حاولت أن تعرف منه الحقيقة، فلم ينبس ببنت شفة من كلمة، لتبدأ منعطفا جديدا في حياتها، مليئا بالأسى و الأسف، حيث أكدت أن ابنها لا ينام و لا تغمض جفونه ليلا أو نهارا، و يتكلم كلاما مبهما لا تعرف له معنى، و يبقى فكره شاردا طول الوقت يحولق في السماء، عرضته على الفقهاء”الطلبة” و طافت به مزارات الأولياء و الصالحين، دون نتيجة تذكر، لتقرر في الأخير عرضه على أحد الأطباء النفسانيين، الذي وصف له وصفة، التزمت والدته بإعطاءه إياها في الوقت المحدد، لتستقر حالته و بدأ يعود إلى وضعه الطبيعي، ليخبرها أن حالته نجمت عن استهلاكه لمشروب قدمته له زوجته، فقد على إثره الوعي، و بدأ يدخل بعد ذلك في نوبات هستريا، و يتغيب عن الفصل الدراسي، و يقضي يومه تائها في الدروب و الحارات هائما لا يعرف وجهة. لتختتم الأم المكلومة كلامها، أنها رأت معه شدائد و صعاب تنأى عن حملها الجبال، و أنها صبرت على تصرفاته لأنه فلذة كبدها، لم تقو على رأيته متشردا، متسخا، مجنونا، ما دامت على قيد الحياة.
إسماعيل مجنون بهوية مسلوبة
هذا الأحمق يتجول بيننا، متلفعا جلبابا محزوم بأشرطة من قماش، طمست معالم لونه و أخذت لونا أسودا نتيجة تراكم الأوساخ و القذارة، و صار رأسه وحدة لإنتاج القمل بكل ألوانه، فجلبابه تجمعه به علاقة حب لا ينقطع ودها، حكى لنا بعض أقاربه، أنهم جلبوا له ملابس نظيفة فألبسوها له بقوة، إلا أنه سرعان ما نزعها و ارتدى جلبابه القديم، الذي يشهد على معاناته صيفا و شتاءا، يعيش هذا الرجل حياة بدائية لأكثر من 30 سنة، يفترش الأرض في الصيف و يعانق زمهرير الخريف بدون مأوى أو أغطية تقيه قساوة البرد، يجمع بعض الدراهم ثم سرعان ما يرميها تحت أبواب المحلات التجارية، لا يريد مالا و لا جاها و لا ثروة، فقط، نضاله من أجل خبزة و بيضة و إبريق شاي، هذا هو مبلغ همه من الدنيا. كبر سنه و تدهورت حالته الصحية، جعلته عرضة لاعتداءات السكارى و المنحرفين، الذين لا يتوانون في التنكيل به بحثا عن بعض الدراهم.
امرأة مجنونة تطوي المسافات طي البراق.
إنها حكاية امرأة جاوزت الأربعينيات من عمرها، يعرفها تجار الأسواق الأسبوعية عز المعرفة ، فهي تنحدر من منطقة سيدي بنور، كانت متزوجة و لها ابنتين، تركت بيت الزوجية لسنوات عديدة بعد إصابتها بهذا المرض، لم يستطع زوجها أو عائلتها أن تتكفل بها، فهي تترك المنزل في غفلة منهم و تختفي إلى أجل غير مسمى، فهي تقطع المسافات طولا و عرضا، المكان الذي تجد فيه ضالتها و تقضي فيه وقتا كثيرا هو ضريح “بويا عمر” فهي تعيش على ما يجود به عليها الناس و زوار المكان. سلوكاتها غريبة ترتدي جلبابا ممزقا عن آخره، تغيرت ملامحها فصارت قبيحة المنظر، جسمها النحيل يطلوه سواد قاتم من الوسخ و القذارة، تظل اليوم كاملا، و هي تجري حاملة عصا في يدها، عدوها هن النساء المتبرجات، فهي لا تتوانى في ضرب كل من صادفتهن في طريقها أو إطلاق لسانها اللاذع بقذفهن بسيل من السب و الشتائم و وصفهن بأشنع العبارات، فهي مدافعة شرسة عن نفسها، لا يمكن أن يقترب منها أحد إلا وينال نصيبه من عصاها، أو ترشقه بالحجارة، و رغم ذلك، فهي تتعرض للاغتصاب، ليلا، بشكل مستمر أبطاله منحرفون و متشردون، نتج عنه حمل لمرتين. إنها معاناة امرأة فقدت أنوثتها و حياتها في لحظة خاطفة، غيرت حياتها إلى الأبد.
محماد، لا يجد ضالته إلا في قطع الطريق ذهابا و إيابا دون كلل
إنه قصة، مجنون، لا يهدأ له بال إلا وهو يعانق الطريق ذهابا و إيابا، فهو طيلة اليوم يقطع الشارع الرئيسي للمدينة من بدايته إلى نهايته، بشكل مسترسل، كأنه يسابق الزمن، حالته حالة مأساوية فهو يتغوط و يتبول في ملابسه، و تفوح منه رائحة تزكم الأنوف، لا يتكلم إلا الأمازيغية، حكا لنا بعض معارفه، أنه كان يتمتع بكامل قواه العقلية، و يمتهن التجارة، إلا أنه تغيرت أحواله بين عشية و ضحاها ففقد فيها عقله، و لزم الشارع في رحلة لا تنتهي تاركا تجارته و عائلته، و رجح أقاربه أسباب جنونه إلى السحر بعد تعرفه على إحدى الزبونات التي دأبت على المجيء عنده في كل لحظة و حين، حتى توطدت العلاقة بينهما، و صار يترك محله و يخرج في رحلة البحث عنها، إذا انقطع حبل ودها.
هي مشاهدات، تروي ناظر المواطنين كل يوم و حين بالشارع العام، و تتزايد في ارتفاع صارخ أمام تنصل الدولة من مسؤولياتها الأخلاقية و القانونية بتوفير بنية الاستقبال لهؤلاء المجانين و الحمقى، فصار تواجدهم بالشارع العام، يعكس صورة قاتمة المجتمع و مقياس لمدى تحمل مسؤولياته اتجاه مواطنيه.
فجر بريس
