
من كل فج عميق، تقاطروا على الرباط وعلى منصة السويسي ليلة السبت الماضي آخر الاحصائيات تقول إلى العدد قارب نصف مليون …
شباب من كل الفئات، شابات في عمر الزهور، إن بقيت هناك زهور في الأحياء الشعبية والمتوسطة التي نزحوا منها لملاقاة “حبيب الجماهير”، فنان الغضب والكلاش والمخدرات… الذي لا تعرف لغته حدودًا تقف عندها.
إنه ElGrande Toto الذي تسلم مفاتيح حكم العاصمة الرباط لمدة ثلاث ساعة… لا صوت كان يعلو على صوته في ليل الرباط الذي عادةً ما يكون رتيبًا.
طوطو أخرج العاصمة عن عاداتها المتوارثة، وزرع فيها بلبلة وجنونًا وصخبًا لم تعرفه من قبل…
ابن كازا جاء إلى عاصمة الملك ليقول كلمته، وليُسمِع من به صمم، إنه وجيله هنا، وأن ما يجمعهم بالأجيال الأخرى ليس أكثر من أرض وسماء وصبيب إنترنت رديء… الباقي كله: “لكم دينكم ولي دين”!
طوطو وشعبه لم يتسببوا فقط في اختناقات مرورية غير مسبوقة، وفي حالة طوارئ أمنية نادرة، بل زرعوا مناخًا من الدهشة والخوف والترقب في وسط الرأي العام…
ماذا يجري؟
من أين جاءت هذه “المخلوقات” بلباسها الغريب، ولغتها غير المفهومة، وأجسامها العارية تقريبًا، ووشوم أجسادها التي تقول أشياء كثيرة لا نفهمها؟
ماذا حلّ بالشباب المغربي حتى تحوّلوا إلى كائنات مسحورة بفن الغضب واليأس والاحتجاج؟… الراب، الذي لا تنصت لغيره؟
ها هو جيل Z يهجم على عاصمة المملكة قادمًا من كل المدن، كبيرها وصغيرها، لملاقاة معبودهم الفني: الكراندي طوطو، الذي صعد إلى سطح فندق “سوفتيل” في السويسي، وبدأ يصوّر أمواج شعبه وهي تحجّ إلى لقائه في القطارات، والسيارات، والحافلات، والدراجات، و”التريبورتورات”، وحتى على الأقدام، وكأنها تحجّ إلى زاوية أو مسجد أو مكان مقدّس…
حتى وصف “السلگوط” الذي أطلقه عبد الإله بنكيران على فنان الشباب طوطو، حوّله الأخير إلى شعار يُكتب على أقمصة غريبة يبيعها لمريديه…
لقد حوّل، في مكر خبيث، كلمة “صلگوط” إلى اسم شهرة ثانٍ له، وأطلقه في تحدٍّ واضح على واحدة من كلباته الأكثر انتشارًا ونجاحًا ودخلًا…
إنه منطق التحدّي الرمزي الذي يلعب باللغة والمفاهيم…
إذا كنتَ يا بنكيران، ويا جيل الخمسينات والستينات والسبعينات، تعتبرون “السلگوط” وصمة عار، فنحن جيل Z، شباب الألفين، نعتبر هذا “السلگوط” ميزة وليست سُبّة…
إنه انقلاب كامل في المعايير والقيم والمفاهيم، وفي قلب هذا التمرّد هناك اللغة ، بما هي سلطة تسمية الأشياء، وإعادة تعريفها واستخدامها.
(الغراندي ) لا يثور فقط على التقاليد بلباسه الغريب ومجوهراته التي تقلد أسلوب رجال عصابات المخدرات في أمريكا، وطوطو لا يضرب الأعراف فقط باستعمال les gros mots في الفضاء العام وأمام الجميع، صغارًا وكبارًا، بل إنه يقترح نموذج حياة جديد على أقرانه…
فن الراب و”طوطو”: حين يتحوّل الغضب:
قبل سنوات، كان يُنظر إلى فن الراب في المغرب كفن هامشي، صاخب، مستورد من ضواحي نيويورك أو باريس أو لندن، ومحصور في أوساط شبابية “متمردة، وحتى جانحة وجامحة”.
اليوم، تغيّر كل شيء. الراب المغربي أصبح من أكثر الأنواع (الموسيقية) استماعًا ومشاهدة ومتابعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الإذاعات الخاصة، وحتى في القناة الثانية، من قبل الشباب أقل من 30 سنة، و”طوطو” (ElGrande Toto) أضحى أبرز نجوم هذا النوع من الفن، رغم – وربما بسبب – كلماته البذيئة، وأسلوبه الغاضب والفج، واحتفاله العلني بالمخدرات والعنف والتمرد على كل أنواع السلط…
لماذا يعشق الشباب “طوطو” رغم كل شيء؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل تعقيدات سوسيولوجية وثقافية وسياسية عديدة، وليس من السهل إيجاد جواب واحد، ولا جواب نهائي عليه…
أحد التفسيرات الممكنة تقول إن “الراب”، كما كتب بيير بورديو عن “الفن الشعبي”، “لا يُفهم إلا من خلال السياق الاجتماعي والسياسي الذي ينتجه”.
فن الراب، وخاصة في نسخة “طوطو”، لا تُفهم رسالته ولا دلالاته إن لم نأخذ بعين الاعتبار الثقافة الجديدة للشباب، والإحباطات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يعيشها جيل بأكمله.
جيلٌ ابتعد عن السياسة كحلم لتغيير الواقع، وكوسيلة للتعبير عن الغضب والأمل والرفض، فاتجه إلى ما وجده أمامه من تعبير فني عن مأزقه.
عندما تستمع بإذن موسيقية ولو متوسطة الموهبة إلى هذا الفن ، لا تجده مغريا، ولا حتى قريبًا من أن يكون غناءً ولحنًا وتوزيعًا ومقامات وطبوعًا وبحورًا وطبقات وإحساسًا… إنه فن الكلمة وليس اللحن أو الموسيقى، وكلما كانت الكلمة قوية، غاضبة، عنيفة، صادمة، تمتح من لغة الشارع بلا مكياج ولا تحفظ، كلما كانت الأغنية ناجحة، خاصة عندما يصحبها رقص صاخب، ورموز، وأماكن، ولباس، وعلامات…
ولد فن الراب ليكون صوت المهمشين والمقصيين في أمريكا، وخاصة في الأحياء الفقيرة، ووسط السود، والطبقات التي لا تملك من وسائل التعبير عن نفسها شيئًا، في مدن عملاقة يحكمها الرأسمال وثقافته ونخبه وفنه ونمط عيشه…
جاء الراب ليُعبّر بالميكروفون والكلاش عن ثقافة أخرى، وبشر آخر، وطموحات أخرى لا تجد لها مكانًا في الإعلام التقليدي، ولا في المنصات النخبوية للفن الحديث والقديم…
إنه فن الشارع الذي يكسر كل القوالب الغنائية والفنية والثقافية، وحتى الذوق ومفهوم العيب، ويعلن نفسه صرخة غاضبة وأجسادًا ممزقة…
في المغرب، كما في جل الدول العربية والأفريقية والأوروبية، يُمثل الراب تمردًا علنيًا عنيفًا على السائد والحاكم والمسيطر: تمرد على السياسة، على العائلة، على المدرسة، على الدين، وحتى على اللغة والتقاليد والأعراف…
إنه فن يقلب الطاولة بما فيها من جيد وسيء، يقلبها على الجميع، ليطالب بإعادة توزيع الأدوار والاعتبار والمكانة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والرمزية…
لهذا يستعمل نجوم الراب في المغرب، وفي مقدمتهم طوطو، كلمات بذيئة وصادمة، عارية، خشنة، لأنها تحاكي واقعًا يعتبره جمهوره أكثر بذاءة من أغاني الغراندي وحزبه.
من كلمات أغنيته الشهيرة “Pablo” يقول:
“أنا فالراب بحال بابلو، كنكمي وماشي عاجبهم”
يشبّه طوطو نفسه بتاجر المخدرات الكولومبي الشهير بابلو إسكوبار، ويجعل من تعاطي المخدرات سلوكًا يوميًا متمردًا، بل جزءًا من الهوية الفنية للشاب الذي يرمز لجيله.
وهذا الأمر ليس مجرد تباهٍ مجاني، بل خطاب يعكس واقعًا يعيشه جزء من الشباب المغربي: بطالة، هشاشة، رقابة، عدم إنصات، وغياب الأفق…
الحل: البحث عن نموذج آخر في شخص يمثل القوة الخارجة عن سلطة القانون بواسطة تجارة المخدرات: إنه بابلو إسكوبار، الذي قام بجرائم فظيعة في حق بلده وشعبه ومع ذلك وجد هنا من يعتبره بعد مقتله نموذجا يحتذى !
يطلق بعض الباحثين على هذا النوع من الفن “فن الغضب” (Art de la rage)، وهو مصطلح استُعمل لوصف الراب في فرنسا وأمريكا، حيث استخدمه أبناء المهاجرين والملونين كوسيلة للتعبير عن الإقصاء والعنصرية.
في المغرب، لا تنعدم ظروف ولادة مثل هذا الفن، بل إن “الراب المغربي” يتمثل مشاكله، ويسقطها على هذا التعبير الفني والسياسي، من خلال تناول موضوعات مثل:
• غياب العدالة الاجتماعية
• احتكار الثروة
• هيمنة الريع
• الفساد السياسي
• ضيق مجال الحريات والحقوق
• الاعتقال السياسي
كل هذه القضايا لا تمر أمام الشباب بلا توقف، بل إن هذه الأزمات والأعطاب تحفر عميقًا في وجدان الشباب، لكنهم لا يعبرون عنها بالطرق المتعارف عليها، أو تلك التي كنا نعرفها: أي بالانتماء إلى حزب، أو تنظيم سري، أو جمعية، أو نقابة طلابية، أو جماعة دينية، أو نادٍ ثقافي، أو إيديولوجية معينة، كما كان يفعل شباب الحركة الوطنية، أو شباب اليسار في الستينات والسبعينات، أو شباب الإسلام السياسي في الثمانينات والتسعينات…
شباب اليوم يتجه إلى نمط آخر من التعبير عن نفسه، وغضبه، وهواجسه، وثورته… إنه فن الراب، وما يتبعه من نمط عيش، ولباس، وكلام، وحرية، ومخدرات…
يقول عالم الاجتماع الفرنسي Didier Lapeyronnie:
“الراب ليس موسيقى، بل شكل من أشكال الصراخ الجماعي.”
وهو ما نراه في أغنية طوطو Hors Série حين يقول:
“ماشي فالمستوى، ولكن طالعين
ماشي نقيين، ولكن سامعين”
إنه اعتراف بالصراع الطبقي والاجتماعي والفني في آنٍ واحد.
الراب بين السوق والفن
رغم “الفجاجة” في أسلوب طوطو وأمثاله، فقد أصبح علامة تجارية ناجحة، ووجهًا إعلاميًا يظهر في المهرجانات الكبرى، ويُتداول اسمه في وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى في تلفزة الدولة…
وها هو دخل ضيفًا كبيرًا على أكبر مهرجان موسيقي للدولة (موازين)، الذي استقطب الفنان ذو الشعبية الكاسحة، ليس فقط ليغني ويأخذ المال ويصعد على المنصة، بل ليصبح جزءًا من المشهد الفني الذي يجري احتواؤه وإدخاله تحت جناح فن الدولة، في مقابل فن الشعب.
وهنا التناقض الذي يفتح الباب لنقاش أعمق وتفكير أبعد من منصة وميكروفون وكلمات جارحة:
-هل أصبح الراب موسيقى مُرحّب بها من قبل السلطة، وهي التي خرجت من الأصل ضد السلطة (anti-pouvoir)؟
-هل أصبح الراب “منتجًا تجاريًا” يجلب المال، ويشتغل وفق آليات صناعة النجوم ودعاية السوق، بدل أن يكون فنًا احتجاجيًا متمردًا على الصناعة الفنية الرأسمالية والبرجوازية ؟
-أم أن السلطة والسوق احتويا فن الغضب والاحتجاج، فحوّلاه إلى عرض فرجوي مدرّ للأرباح، ومدرّ للتخدير، وللقبول بالواقع؟ أو بالأحرى: الاحتجاج داخل القوالب التي تختارها السلطة لهذا الفن، وليس خارجها؟
لقد استطاع طوطو أن يُنتج لنفسه صورة “الباد بوي” (bad boy) الناجح، الذي يتحدى القيم التقليدية دون أن يُعاقب، والذي يكسر الطابوهات الأخلاقية، ومع ذلك يُصفق له الجمهور، وتدعوه وزارة الثقافة لأنشطتها، ويحتفي به مهرجان موازين الذي يتحرك تحت رعاية خاصة.
هنا يكمن خطر آخر: حين يتحوّل خطاب الرفض إلى خطاب استهلاك، ويتحوّل “التمرد” إلى “ماركة”، نكون أمام مشهد جديد: شباب غاضبون، ولكن غاضبون بشكل تجاري وتحت مظلة السلطة وتأطيرها…
الراب المغربي ليس مجرد “موسيقى شباب” أو “نمط فني لأبناء اليوم”…
الراب تعبير عن مأزق جيل بأكمله.
مأزق شباب يبحث أولًا:
• عن الاعتراف
• وثانيًا عن الحرية
• وثالثًا عن مستقبل: شغل، دخل، استقرار، وأمل في الغد…
أمس كان ناس الغيوان، وجيل جيلالة، والمشاهب واخرون ..يترجمون لغة ومشاعر وآمال وذوق الجيل السابق، وهواجسهم بأنماط موسيقية تمزج بين التراث والحداثة، والغناء والمسرح، والكلمة واللحن…
لكن هذا زمن آخر…
الان هناك قطيعة، أو قطائع، تجري في صمت بين الأجيال، وهناك فراغ تملؤه الطبيعة بطريقتها، لأنها – كما تعرفون – تكره وتمقت الفراغ…
طوطو اليوم، بكل ما فيه من فجاجة، وعنف، وغضب، هو نتيجة لهذا المأزق، لا سببه.
إنه مرآة مكسورة، تعكس وجعًا لا يستطيع الخطاب السياسي أو الإعلامي الرسمي الاعتراف به، ولا إيجاد حل له…
إلى كل الرباطيين الذين عكّر صفو ليلهم طوطو بجماهيره الكبيرة وصخبهم الغريب:
لا تلوموا طوطو على حفل دام ثلاث ساعات وانتهى…
لوموا بلادًا، ونخبًا، وسلطًا، ومؤسسات، لا تفكر في شبابها، ولا تستمع لهم، ولا تقترب منهم، ولا تشعر بحاجاتهم، ولا تخطط لمستقبلهم، ولا تدرس تأثير “النيت” بما له وما عليه على ثقافتهم، ونمط عيشهم، وأسلوب تفكيرهم، وطريقتهم في إيجاد مكان لهم تحت شمس هذه البلاد التي أصبحت حرارتها تزيد من توترنا، وحيرتنا، وقلة حيلتنا…
تأملوا طوطو وسيرته وموسيقاه ولباسه وأسنانه المعدنية من هذه الزاوية…
توفيق بوعشرين
فجر بريس