في مساء دافئ من مساءات ابن جرير، وتحديدًا داخل القاعة الرئيسية لدار الشباب القدس، كان الحضور على موعد مع لحظة تفكّر عميقة، حيث التأم ثلة من المهتمين والفاعلين في مجال الإعلام والتواصل، لحضور ندوة فكرية موسومة بعنوان: “الاستخدام الأمثل لوسائل التواصل الاجتماعي”، أطّرها الإعلامي القدير طلحة جبريل، والأستاذ الجامعي المعروف د. إدريس الكريني، وأدار فصولها الأستاذ عبد الصادق برامي، بروح المثقف المتفاعل مع نبض اللحظة.
كان المشهد مهيبًا: وجوه تترقب، دفاتر مفتوحة، هواتف تُسجل، وعيون تلاحق كل فكرة تُطرح. بدأ الصحفي طلحة جبريل مداخلته بنبرة هادئة لكنها محمّلة بقلق دفين، حين وصف واقع المهنة الإعلامية في زمن الرقمنة الطاغية، حيث الأخبار تُستهلك بسرعة، والحياة تجري على إيقاع “الترند”. لم يخف قلقه من الآثار النفسية التي باتت تُلازم الفاعلين في هذا المجال، بل ذهب بعيدًا إلى الحديث عن الانتحار كواحد من أوجه هذا الضغط الخفي.
أما الدكتور إدريس الكريني، فقد صاغ مداخلته بلغة وازنة، تسير بين التحليل الأكاديمي والقلق المجتمعي، مؤكدًا أن التواصل لم يعد مجرد تبادل معلومات، بل صار أداة لصناعة القرار السياسي، وساحةً تتقاطع فيها فرص التنمية مع مخاطر الجريمة الرقمية.
تفاعل الحضور كان حيويًا، الأسئلة لم تنقطع، والمداخلات صبت في مجملها نحو قناعة راسخة: وسائل التواصل الاجتماعي هي مرآة العصر، لكنها مرآة متعددة الوجوه، تحمل النفع كما الضرر، وتحتاج إلى وعي جماعي ورقابة ذاتية وتشريعات مواكِبة.
ووسط هذا الزخم، كانت الخلاصة واضحة: الموضوع أكبر من ندوة، وأعمق من أن يُحسم في جلسة واحدة. إنه ورش مفتوح، يستحق مواصلة التفكير والحوار… وربما، إعادة النظر في علاقتنا اليومية بهذا الفضاء الرقمي المفتوح على كل الاحتمالات.

فجر بريس