أخر الأخبار
الرئيسية » أقلام نحريرة » الثقافة والفن في سوق الفرجة المغربي.. انحطاط في الذوق، سوقية الصراع ونجومية التافهين

الثقافة والفن في سوق الفرجة المغربي.. انحطاط في الذوق، سوقية الصراع ونجومية التافهين

يعرض علينا نماذج النجاحات السريعة، والأرباح السهلة، والانتصارات من غير كبير جهد. وهو يصعقنا من حين لآخر بالمبالغ المدوّخة التي حصل عليها هذا الرياضي أو ذاك الفنان، هذا فضلا عن حرصه الدائم على أن يُظهر لنا النجوم في المجالات جميعها وكأننا لا نختلف عنهم في شيء، ليردم الهوة بيننا وبينهم، ويقنعنا أن كل المسافات قريبة، وأنه يكفينا المشاركة في السباق، ما دام يوفّر لنا أسباب الانتصار، والتفوق السهل الدائم على الآخرين وعلى الذات”.

أصبحت النجومية اليوم متيسرة وسهلة المنال مع نشاط ماكينات إعلامية ضخمة غدت مختصة في الترويج للتفاهة ورعايتها تكبر بها وتضخم النجوم الجدد، تتذكرون الإكشوان الذي أصبح يستدعى لمهرجانات وطنية بصفة “الوجه الإعلامي والنجم الصاعد”، لكن الجميل هو أن هذه النجومية مثل فقاعات الصابون، تتذكرون نيبا وساري كول ومول الدلاحة ومول البطيخة ومول الكاسكيطة ومول البيكالة وسينا صاحبة الرقص والسينما والأغاني البدائية.. أينهم الآن؟

ما الذي جعل المثقفين والفنانين ينحدرون إلى هذا الدرك الأسفل؟ كيف وصلنا إلى كل هذا الانحدار في مجال يتعلق بروح الأمة وقيمها، أقصد الثقافة والفن؟

يعيد العديد من المثقفين هذا الانحدار العام في مجال الثقافة والفن إلى شيوع وسائط التواصل الاجتماعي ويسر الولوج إلى النشر، فيما يربط البعض هذا الصراع المتخلف الذي أصبح يسود الساحة الثقافية والفنية بسيادة ما سماه الشاعر ووزير الثقافة والاتصال السابق محمد الأشعري “ثقافة الهَمْزة” أي أن يكون أي فرد قادرا على أن يخطف شيئا من الحياة المشتركة، في حين يرد البعض هذا الانحطاط في النقاش الثقافي والفني بالمغرب، إلى تردي القيم وهيمنة الوصولية والانتفاعية غير النبيلة وسيادة نماذج النجاح السريع في كل المجالات من الرياضة إلى الفن والثقافة، لم يعد المحامي المدافع عن الحق والمعلم الفاضل الذي يهب نفسه لصالح تلاميذه، ولا الصحافي النقي والمهني والطبيب الخدوم ولا الأستاذ العارف الذي لا يبخل بعلم على طلبته… وغيرهم نماذج النجاح لدى شبابنا اليوم، بل هيمنة النماذج الناجحة للهجرة المترفة والقفز السريع حتى بدون كفاءة في سلم الترقي الاجتماعي داخل الدولة أو وسط الأحزاب والهيئات والمنظمات، إنه مجتمع الفرجة كما تحدث عنه كاي ديبور Guy Debord الذي ألف كتابا بنفس الاسم حول الموضوع.

كما أن سنوات من قمع المثقفين والنخب من طرف السلطة وجعلهم خداما وتابعين فقط لعربة السياسيين، وإقصاء رموز ثقافية وفنية كبرى من حقل الاهتمام الرسمي، وعدم مردوديتهم بالنسبة للسياسيين الباحثين عن المقاعد الانتخابية التي لا يأتي بها المثقفون عادة في مجتمع متخلف، فرضت على الجزء الأكبر من المثقفين والفنانين الجادين الانزواء إلى الظل، وتكيف بعضهم مع الموجات الجديدة، بينما انخرط آخرون منهم في مشاريع بحث مدرة للدخل… لذلك تُرك الباب مفتوحا لأشباه المثقفين وأنصاف الفنانين، ولم يستطع المثقفون والفنانون الجادون الصمود في وجه موجة الرداءة والتفاهة، حيث أخذ الكل يُعلي من نجوم جدد صنعتهم وسائط التواصل الاجتماعي على مقاسات ذوق آخذ في الانحطاط، ومساهمة وسائل الإعلام الجديد في الرفع من نجومية التافهين، لم تعد تُقرأ الدواوين الجيدة ولا الروايات الرائعة إلا من طرف أقلية، فيما اكتسح نجوم السوشيال ميديا الفضاء العام، لقد كتبت المبدعة اللبنانية نجوى بركات بغير قليل من الأسى والحزن على ما وصلنا إليه: “من ذا الذي يعيرك الآن أيّ انتباه، ولو نسبت إليك الإلياذة والأوديسة بأبيهما وأمهّما”.

وفي تقديري يعود هذا الإقبال الكبير على التفاهة والسخرية المائعة، إلى نفسية مجتمع، لم تعد الحقيقة والكلام الجاد توقظه إلا على جراحه وخيباته، فيميل إلى السخرية والفضائحية كمتنفس، في ظل الخيبات والانكسارات الموجعة التي مُني بها، بالإضافة إلى تراجع وسائط التنشئة الاجتماعية التقليدية من مدرسة، حزب، نقابة، مسجد… وتركها الباب مشرعا لعالم الديجيطال وفاعليه الكبار الذين يبحثون عن الربح أساسا والسيطرة ثانيا عبر تكييف الأذواق وزيادة شراهة الاستهلاك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *