لم يعد المشهد السياسي المغربي يتحرك وفق القواعد القديمة التي اعتادت الأحزاب ونخبها الاشتغال داخلها. فالمواطن اليوم لم يعد ينتظر برنامجًا حزبيا أو خطابًا انتخابيًا كي يعبّر عن مطالبه، بل وجد في العالم الرقمي مساحة أكثر فاعلية وتأثيرًا من كل مقرات الأحزاب مجتمعة. هذا التحول كشف هشاشة التنظيمات الحزبية التي انكمش دورها إلى موسمية انتخابية بلا عمق مجتمعي ولا امتداد ميداني، كما أدى إلى فقدان الثقة في النخب التي لم تستطع تجديد خطابها أو فهم إيقاع التحولات الجديدة.
في المقابل، تحركت فئات واسعة من المجتمع خارج القنوات التقليدية، وابتكرت أساليب احتجاج وضغط غير مسبوقة، كما حدث خلال حملة المقاطعة عام 2018، حيث استطاع مواطنون عاديون إرباك شركات كبرى دون تنظيمات أو قيادات. هذا الشكل من الفعل الجماعي أكد أن ميزان التأثير لم يعد حكرًا على الأحزاب أو النقابات، وأن الشارع الافتراضي بات أحد أهم الفضاءات التي تُصنع فيها المواقف وتتبلور فيها ردود الفعل. ما يحدث اليوم ليس مجرد تراجع للحزبية، بل إعادة توزيع للأدوار داخل الحقل العام، حيث تصعد قوة اجتماعية جديدة بلا هياكل تقليدية، لكنها تمتلك شرعية فورية ووسائل تأثير أسرع وأكثر جاذبية.
فجر بريس