أخر الأخبار
الرئيسية » ومضات تاريخية » ‬العلم‮” ‬تحل ضيفا ثقيلا على ضريح سيدي‮ ‬بنعاشر: مرضى الهياج‮ ‬يقيدون في‮ ‬زنزانات انفرادية حتى تخور قواهم من الصراخ واللطم‮ ‬
Visitez Example.com

‬العلم‮” ‬تحل ضيفا ثقيلا على ضريح سيدي‮ ‬بنعاشر: مرضى الهياج‮ ‬يقيدون في‮ ‬زنزانات انفرادية حتى تخور قواهم من الصراخ واللطم‮ ‬

ضريح

“‬سلا كل خطوة بصالح‮” ‬قولة تتردد على ألسنة السلاويين كلما ذكر أحدهم موضوع الأولياء والصالحين الذين تضج بهم المدينة،‮ ‬فأينما وليت وجهك تجد قبة كتب على مدخلها‮ ‘‬ضريح سيدي‮ ‬فلان‮”‬،‮ ‬غير أن هؤلاء الأولياء الذين كرسوا حياتهم للعبادة والتقرب من الخالق الأحد،‮ ‬ما لبثت أن نسجت حولهم خرافات عندما لبوا نداء ربهم،‮ ‬فصارت قبورهم قبلة لكل من‮ ‬يطمع في‮ ‬مال أو زواج أو شفاء،‮ ‬بل وحتى إلحاق الأذى بالغير،‮ ‬وضريح‮ ‘‬سيدي‮ ‬بنعاشر’ليس بمنأى عن ذلك،‮ ‬خرافات‮ ‬يهيم بها عشرات من الزائرين لهذا الضريح،‮ ‬غير بعيد عن شاطئ المدينة،‮ ‬تنتصب هذه‮ “‬المعلمة‮” ‬التي‮ ‬يحج لها الناس من مختلف ربوع المملكة،‮ ‬وبالخصوص ساكنة سلا والرباط،‮ ‬متشبتين بأهداب الولي‮ ‬الصالح وآملين في‮ ‬وساطته مع السماء،‮ ‬لتتحقق أمانيهم ودعواتهم إما بموفور الرزق والصحة أو الزوج الصالح والذرية الصالحة،‮ “‬العلم‮” ‬حلت ضيفا ثقيلا على الضريح‮ ‬وأهله،‮ ‬ذوي‮ ‬الحساسية المفرطة من السلطة الرابعة وكل ما‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يفضح التخلف الذي‮ ‬يعشش هناك منذ سنين لا‮ ‬يعلمها إلا الله‮.‬

طريق معبدة تلك التي‮ ‬تؤدي‮ ‬لبناية الضريح،‮ ‬ومجموعة من النقاشات و‮ ‘‬قارئات الفنجان‮’ ‬تصطف على جنباتها في‮ ‬سلام إلى جانب باعة الحلويات و”الشمع وماء الزهر‮”‬،‮ ‬والذين‮ ‬يعتبران قربانا لا محيد عنه من أجل إسترضاء الولي‮ ‬الراقد تحت الأرض،‮ ‬الساعة هنا تشير إلى الرابعة عصرا،‮ ‬يوم جمعة‮ ‬غائم‮ ‬ينذر بأمطار‮ ‬غزيرة،‮ ‬وصوت تلاطم الأمواج على الصخور،‮ ‬يحمل ذرات من الماء تستقر على العشب الندي‮ ‬بالمقابر التي‮ ‬تصطف على جنبات الطريق،‮ ‬بناية بيضاء من حجر بحري‮ ‬مقاوم للرطوبة،‮ ‬وزخرفة إسلامية على باب مواجه للقبلة،‮ ‬يستقبل شمس الحقيقة كل‮ ‬يوم،‮ ‬وتغرب عليه وراء ظهره،‮ ‬حيث تنام الشمس في‮ ‬بحر الظلمات متعبة بروتين التعاقب اليومي،‮ ‬وبمدخل الضريح إستقر عدد من المتسولين في‮ ‬إنتظار محسن سخي‮ ‬يستجدي‮ ‬بركة‮ ‘‬سيدي‮ ‬بنعاشر‮’‬،‮ “‬يحسن‮” ‬إليهم بدراهم معدودة تنضاف إلى خزائنهم المكدسة،‮ ” ‬فمنهم من اغتنى وامتلك العقارات والمواشي‮”‬،‮ ‬يسر أحمد‮ ‬‭_‬اسم مستعار‮- ‬لـ”العلم‮”.‬
أحمد وهو إحدى الرواد المعتادين للضريح رافقنا في‮ ‬الممر المؤدي‮ ‬لقبر سيدي‮ ‬بنعاشر‮ ‬ليرشدنا للمدخل،‮ ‬تناهت إلى أسماعنا عبارة‮ ‬‭”‬حيدو صبابطكوم‮”‬،‮ ‬هكذا استقبلنا‮ “‬مقدم‮” ‬الضريح عند المدخل،‮ ‬رجل أكرش في‮ ‬عقده السادس،‮ ‬علم من هيئتنا أننا صحافيون،‮ ‬فنظراتنا لم تترك أي‮ ‬شبر من المكان دون أن تتفحصه،‮ ‬علمنا بحدسنا وعدم الإرتياح الذي‮ ‬قابلنا به المقدم أن التصوير ممنوع فاضطررنا إلى فعل ذلك خلسة،‮ ‬تجاذبنا أطراف الحديث مع المقدم،‮ ‬وتفاجئنا أنه على علم بالمعدلات المرتفعة والإمتحان الصعب الضروريين لولوج معهد الإعلام بالرباط،‮ ‬كما حكى لنا تجربته مع أحد الجرائد اليومية المشهورة بالمغرب،‮ ‬والتي‮ ”‬لم تكن سارة البتة‮”‬،‮ ‬يضيف المقدم‮.‬
من الراقد تحت القبة؟
‭”‬سيدي‮ ‬بنعاشر معروف بعلاج الأمراض النفسية والعقلية،‮ ‬وتوجد بقرب الولي‮ ‬غرف كانت مخصصة لإستضافة الزوار الراغبين في‮ ‬الإستشفاء،‮ ‬سواء من داخل الوطن أو خارجه،‮ ‬لكن مع الظروف والفساد المستشري‮ ‬فقد تم إغلاق هذه الغرف،‮ ‬التي‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يغادرها الزوار إلا وهم أصحاء ببركة الله وسيدي‮ ‬بنعاشر الله‮ ‬ينفعنا بيه‮”‬،يضيف المقدم‮.‬
بعيدا عن رواية المقدم،‮ ‬تقول المصادر التاريخية أن الولي‮ ‬الصالح‭ ‬أحمد بن عاشر ولد ببلاد الأندلس،‮ ‬وبها نشأ وحفظ القرآن،‮ ‬وقرأ العلم التأسيسي،‮ ‬ثم انتقل منها إلى الجزيرة الخضراء،‮ ‬وأقام بها زمنا مشتغلا بتعليم كتاب الله تعالى،‮ ‬تضيف إحدى الروايات أنه دخل إلى المغرب صحبة عائلته أوائل القرن الثامن الهجري‮ ‬في‮ ‬عهد الملك أبو عنان فارس‭ ‬المريني،‮ ‬فرحل إلى فاس،‮ ‬ثم توجه إلى الحجاز لأداء مناسك الحج،‮ ‬وبعد رجوعه من مكة استوطن مكناسة الزيتون،‮ ‬ثم رحل منها وسكن مدينة سلا‭ ‬بشكل نهائي‮ ‬سنة‮ ‬‭ ‬1350‭ ‬م‭.‬
اختار سيدي‮ ‬بنعاشر أن لا‮ ‬يأكل إلا من كسبه بحثا عن الاستقلالية‮ ‬،‮ ‬حيث كان‮ ‬ينسخ الكتب ويبيعها خصوصا‮ “‬عمدة الأحكام‮”‬،‮ ‬وهو ما دفع فيما بعد السلطان أبا عنان المريني‮ ‬للبحث عنه والرغبة في‮ ‬زيارته في‮ ‬قصة مشهورة،‮ ‬إذ قصده السلطان فلم‮ ‬يأذن له بالدخول وبقي‮ ‬ينتظر طويلا،‮ ‬فكرر المحاولة مرارا فلم‮ ‬يفلح في‮ ‬ذلك،‮ “‬سيدي‮ ‬بنعاشر‮”‬‭ ‬سيعيش ما تبقى من أيامه إلى أن توفي‮ ‬ودفن قرب شاطئ البحر المحيط‮ ‬غير بعيد عن الجامع الأعظم‮.‬
الضريح-الزنزانة

يقرفص أشخاص عدة‮ ‬قرب قبر الولي‮ ‬الصالح،‮ ‬منهم من أثرت فيه سكينة المكان فأخدته سنة من النوم،‮ ‬سكينة‮ ‬يعكر صفوها في‮ ‬بعض الأحيان صراخ سيدة تشق ملابسها أو تلطم رأسها مع الحائط،‮ ‬الذي‮ ‬توجد به شواهد قبور،‮ ‬قال لنا المقدم أن رفات أهلها قد تم نقله من هناك،‮ ‬وحول قبر الولي‮ ‬المسجى بثوب أخضر نقشت عليه آيات التوحيد،‮ ‬يتمسح البعض به ويقربون الشموع وقنينات ماء الزهر للولي‮ ‬الصالح،‮ ‬أما السقف فمزين بأشكال ملونة من قطع الشمع المخصصة للاحتفال بالمولد النبوي‮ ‬الشريف في‮ ‬تظاهرة‮ “‬دور الشمع‮” ‬التي‮ ‬تعرف بها المدينة العتيقة لسلا‮.‬
بين زوار الضريح تجلس فتيحة،‮ ‬32‮ ‬سنة،‮ ‬نظراتها متعلقة بالنساء اللواتي‮ ‬يطفن بقبر الولي،‮ ‬تقول لـ”العلم‮”‬،‮ “‬كل جمعة خصني‮ ‬نجي‮ ‬نزور باش ما قسم الله،‮ ‬كانجلس شوية برا‮ ‬يضربني‮ ‬الغربي‮ ‬ونرجع بحالي‮”. ‬بالنسبة لفتيحة،‮ ‬فزيارة سيدي‮ ‬بن عاشر عصر كل جمعة موعد ضروري‮ ‬مع راحة نفسية تستشعرها في‮ ‬حضرة الولي،‮ ‬عادة‮ ‬دأبت عليها منذ صغرها،‮ ‬حينما كانت ترافق والدتها للزيارة،‮ ‬زيارات متتالية جعلتها شاهدة على عدد من الكرامات والخوارق التي‮ ‬يأتي‮ ‬بها الولي‮ ‬الصالح،‮ ‬،‮”‬واحد صاحبتي‮ ‬كانت ديما كتجيبها مها تزور،‮ ‬ما خلات مسكينة فين جرات بيها،‮ ‬كان عندها‮ “‬العكس‮”‬،‮ ‬لكن وقفات معاها بركة الولي‮ ‬الصالح‮ ‬،‮ ‬وتحسنت حالتها تدريجيا،‮ ‬سيد الحاج بن عاشر راه ببركته‮” ‬تضيف فتيحة‮.‬
المقدم تحاشى الحديث عن ما صرحت لنا به سيدة تتردد حسب قولها على الضريح منذ أزيد من أربعين سنة‭,‬فقد أخبرتنا أن أهل المريض المصاب بالهياج أو‮ ‘‬الصعرة‮’‬‭,‬يؤتى به إلى الضريح ويربط في‮ ‬إحدى الغرف الإنفرادية حتى‮ ‬يتعب من الصراخ واللطم‭,‬فيفتح المسؤولون الباب ويتلون عليه آيات من القرآن حتى‮ ‬يعود لحالته الطبيعية‭,‬وإذا ما اشتد به الحال مرة أخرى‮ ‬يعاد معه نفس السيناريو‮.‬
مباشرة وراء الحائط جلس’حميد‮’‬‭,‬رجل أربعيني‮ ‬ينحدر من سلا،‮ ‬رفقة نديم له،‮ ‬يعاقران قنينة نبيذ،‮ “‬حميد‮” ‬و من فرط إحترامه لمبدأ التوقير اللازم للولي،‮ ‬قال لـ”العلم‮” ‬أنه’جاب المرا تزور وتفوج شويا حيت هاذا هو المتنفس الوحيد لساكنة حي‮ ‬سيدي‮ ‬موسى‭,‬وانا مانقدرش ندخل للسيد وانا شارب،الله‮ ‬يبعد علينا البلية‮”.‬كما لاحظت‮ “‬العلم‮” ‬عددا من الذبائح المسلوخة المرمية بجانب الضريح خصوصا الديكة و التي‮ “‬لا تستبعد أن تكون مسخرة لأعمال السحر‮”‬،‮ ‬يضيف‮ “‬حميد‮”.‬
قريبا من مجلس‮ “‬حميد‮”‬،‮ ‬،‮ ‬احتشد بعض الشباب توحدهم أنغام‮ ‬‭”‬كناوة‮” ‬،‮ ‬طبول،‮”‬قراقب‮” ‬و‮”‬غيطة‮” ‬و”وتار‮”‬،‮ ‬هي‮ ‬أدواتهم‮ ‬لتحصيل بعض المال من الوافدين،‮ ‬خصوصا النساء منهم،‮ “‬آبنت الجواد،‮ ‬الله‮ ‬يوقف علامك،‮ ‬الله‮ ‬يشعل ضوك،‮ ‬آ المرضية المهدية،‮ ‬عمرك ما تخيبي‮ ‬بجاه النبي‮”‬،‮ ‬دعاء من المحتمل أن‮ ‬يستميل قلوب بعضهن لتمد‮ ‬يدها إلى حافظة نقودها و”تنفح‮” ‬صاحبنا بما تيسر من المال،‮ ‬تسول‮ “‬مقنع‮” ‬في‮ ‬مكان استراتيجي‮ ‬لاستجداء الزوار والوافدين على المقبرة بالإضافة إلى تناول وجبة الكسكس التي‮ ‬يتبرع بها المحسنون‮ ‬يوم الجمعة‮.‬
‭ ‬

المدينة المحرمة
‭”‬كل جمعة تايجيبو لينا الناس ديال الفوق القصاعي‮ ‬ديال الكسكسو وجوج سلات كبار ديال الخبز،‮ ‬أنا لي‮ ‬تنهز داك الخير وتنعطيهم للمقدم،‮ ‬وكل سيمانة تاتجي‮ ‬الهبة ديال‮ ‬20مليون كايغبروها هوما ولادهم وكايكذبو علينا بسبعة فرنك،‮ ‬ومانقدروش نهضرو‮”‬،‮ ‬يقول بلال،‮ ‬شاب عشريني‮ ‬يتيم الأب،‮ ‬يعمل في‮ ‬الضريح منذ14سنة،‮ ‬أي‮ ‬منذ كان طفلا
تحيط بالضريح عدد من الأبراج و الأسوار التاريخية التي‮ ‬كانت تحصن مدينة سلا القديمة من هجمات الغزاة من الجهة البحرية‭ ‬و الخنادق‮ “‬سوران بينهما ممر‮”‬،‮ ‬وأرض منبسطة‮ ‬ينام على أديمها العشاق،‮ ‬في‮ ‬تلك الخنادق تكمن‮ “‬مدينة محرمة‮” ‬تطل نوافذها على البحر،‮ ‬لحظات ساخنة وقبل وعناق،‮ ‬جل أبطال هذا الفلم من تلاميذ أحد الثانويات القريبة من عين المكان،‮ ‬إضافة إلى البالغين المختبئين داخل سياراتهم،‮ ‬ناهيك عن كل أشكال التسكع الأخرى،‮ ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يقتصر فيه رجال الأمن على القيام بجولة حول الضريح والعودة إلى حال سبيلهم كما عاينت ذلك”العلم‮”.‬

جريدة العلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *